متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحرارًا ثم التفت إلى المصري، فَقَالَ: أنصرف راشدًا، فإن رابكَ ريب فاكتب إلى". [1] "
فالحرية إذن مطلب لا يختلف فيه اثنان، ولا يتناطح عليه عمدان، إلا أن تلك الحرية لا تؤتي ثمارها الحقيقية إلا في ظلال الممارسة الصحيحة لها، بما لا يتعارض مع الدين، أو الأخلاق، أو قوانين الدولة، أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وكما قيل: إن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين، فلا تعني حرية الرأي ما يذهب إليه بعض الناس من أن يعلن إلحاده، ويهاجم العقيدة الإسلامية، بحجة تحرير الفكر من الجمود أو الخرافة أو الطغيان، وليس للكاتب أو الأديب أن يفهم الحرية بأن يقول ما يقول، فالحرية تُمارس لكن في إطار النظام العام وميزان الشريعة.
مفهوم الحرية:
يقصد بالحرية قدرة الإنسان على فعل الشيء أوتركه بإرادته الذاتية وهي ملكة خاصة يتمتع بها كل إنسان عاقل ويصدر بها أفعاله، بعيدًا عن سيطرة الآخرين لأنه ليس مملوكًا لأحد لا في نفسه ولا في بلده ولا في قومه ولا في أمته.
وهكذا، فالحرية التي أعطاها الله للإنسان أعطاه إياها ليختار ما يشاء من هذه المباحات، فيأكل ما يشاء، ويلبس ما يشاء، ويتنقل حيث يشاء، ويمتهن ما يشاء من المهن، ويعمل ما يشاء من الأعمال، وكذلك يبيع ما يشاء، ويشتري ما يشاء، ويستأجر ما يشاء، ويؤجر ما يشاء، من سائر التصرفات، وهذه الحرية، وهذا الاختيار أيضًا نجده للذكر والأنثى: فالإنسان يتزوج من يشاء، وكذلك المرأة ترضى بمن تشاء، فمن شاءت وافقت على الزواج منه، ومن شاءت أن تأبى الزواج منه أبت، ولها الحرية في ذلك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَلاَ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «إِذَا سَكَتَتْ» [2]
(1) - محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (2/ 473) وابن الجوزي: مناقب ص 98،99،انظر: ابن عبد الحكم في: فتوح مصر (ص 290) .
(2) - صحيح البخاري (9/ 25) (6968)