المبحث الثاني عشر
الإسلام هو المَعين الصافي للحريةِ الحقيقية
على مدار التاريخ البشري شكلت"الحرية"معني ومفهومًا، قيمةً وسلوكًا أمرًا"شيّب"المعنيين من فلاسفة ومُفكرين، واجتماعيين ومُصلحين وإستراتيجيين وغيرهم.
فلقد كان موضوعًا نُظّر له نظريات، ووضعت له فلسفات، وخطت له سلوكيات واستراتيجيات، وكان شعارًا لثورات، وقامت عليه دعاوي واتهامات بين الأفراد والجماعات والدول والتكتلات.
لكن الإسلام جاء بالحرية الحقيقية، وقررها حقًا لبني الإنسان كحقهم في الحياة سواء بسواء. والحياة كمنحة عزيزة لا يتحقق عزتها إلا بالحرية الخالية من كل صور الاستعباد لغير الله تعالى، ومن يأب العبودية لله تعالي فقد استُعبد لغيره تعالي، وأستُذل له، وتعس دنيا وآخره، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» [1]
لذا كان وصف العبودية لله تعالي أرقي وصف للأنبياء والمرسلين ومن سار دربهم نهج سبيلهم: (سبحان الذي أسري بعبده ليلًا .. ) [الإسراء:1)] .
وهاهو خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلي الله عليه وسلم، يعلنها صريحة لعمه"أبي طالب""وسيط التفاوض غير المباشر"بين قريش، فعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عقبة بن المغيرة ابن الْأَخْنَسِ، أَنَّهُ حُدِّثَ: «أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ قَالَتْ لِأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ. فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جاءُونِي فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ أَنَا وَلَا أَنْتَ فَاكْفُفْ عَنْ قَوْمِكِ مَا يَكْرَهُوَنَ مِنْ قَوْلِكَ، فَظَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنْ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ وَضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ: يَا عَمِّ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْأَمْرَ
(1) - صحيح البخاري (8/ 92) (6435)