وحين تخلى المسلمون عن هذا المنهج وضعفت قدراتهم العقلية عنه، انحطت حضارتهم وغلبت عليهم الثقافات الجاهلية بعد أن فتحوا لها المنافذ والأبواب التي كانت موصدة أمامها.
ثم تساءل: هل يحتاج هذا المجتمع المسلم، أن تستورد له مفاهيم الغرب للحرية؟،فإن قال قائلهم: أن الملوك والسلاطين استبدوا، فنقول: نعم، ولكن كان المجتمع في واد وهم في واد، وما كان استبدادهم إلا في دوائر ضيقة لا تتعدى الفساد الشخصي أو التعدي على الأموال العامة، وقليلا ما يتجاوز ذلك. ولم يعرف العالم الإسلامي الاستبداد إلا بضاعة مصنوعة ومستوردة من الغرب. فإن كانوا يريدون استيراد حرية الغرب لعلاج استبداد الغرب الذي زرعه فينا كانوا كما قال الشاعر المخمور في الخمر المولع بها:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء
لقد خلق الله الإنسان حرًا، وخلق بني آدم أحرارًا، ليسوا بعبيد للعبيد، وهذا هو الأصل فيهم، والله عز وجل أعطى الإنسان إرادة، ومشيئة، واختيارًا، فليس العبد مجبورًا على عمل، وإنما هو حر في اختياره ومشيئته، وبناء على هذه الحرية في الاختيار والمشيئة؛ يحاسبه الله عز وجل، فلو كان العبد مكرهًا مجبرًا لا حرية له في الاختيار، فإن الله لا يؤاخذه على أفعاله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" [1]
فإذا فقد العبد حريته في العمل، ومشيئته في الاختيار، فصار مجبرًا مكرهًا، لا يؤاخذه الله، فيكون الإكراه عذرًا له في هذه الحالة فلا يأثم، وأما ما عمله باختياره، وحريته، ومشيئته، فإن الله تعالى يحاسبه عليه، وقد جاء الشرع بتحريم بيع الحر، ومن الكبائر أن يبيع الإنسان حرًا فيأكل ثمنه.
(1) - السنن الكبرى للبيهقي (7/ 584) (15094) صحيح