فهرس الكتاب
أما علي - رضي الله عنه - فكان من النبي - صلى الله عليه وسلم - كـ (هارون من موسى) في منزلته. وكذلك في شخصيته التي تعاني من عدم انقياد الناس لها واجتماعهم حولها. وقد حدث له ذلك مرارا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما كان يوم تركه على المدينة وتوجه إلى تبوك فكان سبب قوله له وقد تبعه يبكي وهو يشكو اليه انفضاض الناس عنه ولمزهم إياه: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) . وهو مواساة وتطييب خاطر أي أن لك أسوة بهارون حيث تركه موسى فعصاه قومه واستضعفوه وكادوا يقتلونه فاصبر واحتسب !
إن القدرة على القيادة وحشد الاتباع ليس شرطًا أن تتناسب طرديًا مع التقوى، فقد يكون الرجل تقيًا ولا يكون قائدًا من الطراز الأول كهارون - عليه السلام - وهو نبي!.
وليس كل الأتقياء يصلحون كقادة أكفاء. وقد تجتمع في أحدهم نسبة معينة من مؤهلات القيادة تقترب أو تبتعد من القمة والناس مراتب ، وليس ذلك بضائرهم عند الله .
ولما ذهب علي - رضي الله عنه - إلى اليمن اختلف الناس عليه وخاصموه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضطر أن ينزل في الهجير عند غدير يقال له خم ليدافع عنه ويبرئ ساحته.
وحدث لما آلت إليه الخلافة أن تفرق عنه الناس ولم يستطع جمعهم واستيعابهم ووقع له ما خشي منه هارون - عليه السلام - أن يقع من الفرقة في قومه فلم يأمرهم إلا بما كان يقدر عليه وانتظر حتى رجع موسى - عليه السلام - القائد الموهوب.
وقد أدرك علي ذلك تمام الإدراك وأشار إليه - بأبي هو وأمي -
بقوله: (أنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا) [1] لما أكرهوه على البيعة ولكن لم يسمعها منه أحد وضاعت وسط الضجيج فتقدم لتحمل المسؤولية بشجاعة وصبر وثبات، لكن الأحداث كانت عاصفة شديدة العصف ولم يكن في وسعه إخمادها، فقضى والفتنة لما ينطفئ أوارها.
(1) نهج البلاغة 1/182.