فهرس الكتاب
ويمرض أبو بكر مرض الموت. فلا بد أن يموت قرير العين بأن يضمن الحفاظ على هذا الإرث مجموعًا قويًا موحدًا فمن له من بعده؟
لو نظرنا في تاريخ الأمم والشعوب عمومًا وتاريخ الأمة منذ وفاة الرسول خصوصًا لوجدنا أن عدم حسم ولاية العهد قبل وفاة الحاكم الذي مات يؤدي إلى تفرق المجتمع وتشرذمه حول الطامحين إلى سدة الحكم بحق أو باطل. ومن ثَمَّ يحدث القتال بين الفئات المتناحرة، ما يقود إلى الضعف والتمزق. وقد يتسبب في إزالة الدولة ونشوء غيرها.
إن عدم حسم هذه القضية بعد مقتل عثمان جر الأمة الى الفتنة والتطاحن خمس سنين حتى طمع فيها أعداؤها. والشيء نفسه كان يمكن أن يتكرر بعد مقتل علي لولا أن تدارك الله الأمة بالحسن.
وتجددت الفتن حول ولاية الأمر بعد معاوية إذ خرج الحسين في العراق. وأعلن عبد الله بن الزبير العصيان في مكة. وظل الانقسام واستمر جريان نهر الدماء إلى أن جاء عبد الملك بن مروان فوحد الأمة. لكنها ظلت تعاني من كثرة الخارجين الطامحين إلى تسنم سدة الحكم.. إلى أن انقسمت ثلاثة أقسام: المشرق بيد العباسيين والمغرب بيد العلويين، والأندلس بيد الأمويين.
وهل يمكن أن ينسى التاريخ الفتنة التي وقعت بعد موت الرشيد بين ولديه الأمين والمأمون؟ وما خبر انقسام دولة الأيوبيين على أيدي أبناء صلاح الدين واضمحلالها منا ببعيد.
إذن أخطر شيء على وحدة الدولة عدم الاتفاق على من يخلف الحاكم السابق، فإن لم يحسم الأمر على أيدي الرجال الأقوياء الحكماء صار بأس الأمة بينها وأكلت بعضها بعضًا.
مشاورات الصديق في تولية الفاروق
لقد حسم الصديق - رضي الله عنه - أو منع وقوع الفتنتين معًا: الفتنة السابقة لولايته، والفتنة اللاحقة لها. فاختار لولاية الأمر من بعده خير الناس وأعدلهم وأشدهم في ذات الله الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . وذلك بعد تفكير عميق واستشارة ونقاش مع وجوه المهاجرين والأنصار وأهل الحل والعقد منهم.