فهرس الكتاب
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد:
(إن الصديق قد جهد في مسألة العهد جهد رأيه، وإنه كان يود أن يكل الأمر الى المسلمين يختارون من يشاءون، فجمع اليه نخبة من أهل الرأي وقال لهم فيما قال:(قد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمّروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمّرتم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا من بعدي) . فلم يستقم لهم أمر ورجعوا اليه يقولون: (إن الرأي يا خليفة رسول الله رأيك) . فاستمهلهم حتى (ينظر لله ولدينه وعباده) .
ثم استقر رأيه على استخلاف عمر بعد مشاورة عبد الرحمن بن
عوف وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد وأسيد بن الحضير (وجماعة من المهاجرين والأنصار فكلهم قال خيرا) . وسأل عليًا فقال: (إن عمر عند ظنك به ورأيك فيه، إن وليته - مع أنه كان واليًا معك - نحظى برأيه ونأخذ منه فامض لما تريد ودع مخاطبة الرجل فإن يكن على ما ظننت إن شاء الله فله عمدت، وإن يكن ما لا تظن لم ترد إلا الخير) [1] .
ودخل عليه طلحة فقال: (ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد نرى غلظته؟) وكان أبو بكر مضطجعًا من شدة المرض فقال: (أقعدوني) فلما أقعدوه قال: (أبالله تخوفني ! أقول: اللهم إني استخلفت على أهلك خير أهلك. أبلغ عني ما قلت من رواءك) .
وأجمع على الفاروق جميع من استشارهم الصديق، سوى أنهم ذكروا أن فيه غلظة فأجابهم أبو بكر بالرأي السديد.
سأل عنه عبد الرحمن بن عوف فقال: (ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني) . فقال أبو بكر: (وإن) .
فقال عبد الرحمن:
(هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظة)
قال أبو بكر:
(ذلك لأنه يراني رقيقًا، ولو أفضى الأمر اليه لترك كثيرًا مما هو
فيه. ويا أبا محمد قد رمقته فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا عنه. وإذا لنت أراني الشدة عليه). ثم قال: (أكتم هذا) .
ثم استدعى عثمان فقال:
(1) عبقرية الصديق .