فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 130

وأوله إغراء الروم بالهجوم، ولهم عون من تلك القبائل ومن يجتمع اليها من المجترئين والمتحفزين .. ولقد أدرك أناس في عصر أبي بكر صواب الرأي في إنفاذ تلك البعثة بعد إنفاذها وعودتها فشاع في الجزيرة خبرها .. وروى مؤرخو تلك الفترة أنها كانت لا تمر بقبيل يريدون الارتداد إلا تخوفوا وسكنوا وقالوا فيما بينهم: لو لم يكن المسلمون على قوة لما خرج من عندهم هؤلاء !

فإذا كان بقاء أسامة بالمدينة جائزًا لدفع خطر، فإرساله كذلك جائز لدفع خطر مثله. وفازت الدولة بين هذا وذاك بدرس الطاعة وهو

يومئذ ألزم الدروس.

ولا تجهل قبائل البادية ما هي دولة الروم التي اجترأ الجيش على تخومها في غير مبالاة ! إنهم يعلمون ما هي دولة الروم بالعيان، أو يعلمون ما هي دولة الروم بتهويل السماع. وجيش يذهب الى تخوم تلك الدولة ثم يعود غير مسحوق ولا منقوص، بل يعود بالغنائم والأسلاب كيف تستخف به قبيلة هائمة في عرض صحراء؟

إن جيش أسامة قوة ذات بال في الجزيرة العربية، ولكنه فعل بسمعته ومعناه ما لم يفعله بقوته وعدده فأحجم من المرتدين من اقدم وتفرق من اجتمع، وهادن المسلمين من أوشك أن ينقلب عليهم وصنعت الهيبة صنيعها قبل أن يصنع الرجال وقبل أن يصنع السلاح [1] إ.هـ.

ولقد كان أبو بكر يدرك حجم قوة دولة الروم، ويعلم أن التحرش بها ليس تسلية ولا نزهة، فلولا اعتقاده الجازم بقدرته على مواجهة جميع الاحتمالات لما غامر هذه المغامرة ! فمن أين جاءت القوة لأبي بكر في ذلك الظرف العصيب وكل الدلائل تشير إلى غير ما ذهب إليه ؟! وما هي مصادر الثقة المطلقة بالنتائج الإيجابية لما يصنع وهي لما تزل نطفة في رحم الغيب المجهول ؟! إنها قوة الإيمان الراسخ والنظرة البعيدة الثاقبة والسياسية الحكيمة الصائبة.

أبو بكر وفن إدارة الأزمة [2]

(1) المصدر نفسه.

(2) أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - د. نزار الحديثي ، د. خالد جاسم الجنابي ص30 ص36 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت