فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 176

إن الصدق المأمور به ليس صدق القول فقط، ولكنه أيضا صدق الإيمان وإخلاصه وصدق القول وصوابه وصدق الدين وصلابته، ألا ترى أن العرب تقول: رجل صدق، أي قوي العقيدة نية وقولا وعملا وعزيمة وقصدا، في جميع حالاته، حالات الرضا والغضب والمحبة والسخط والجد والهزل، حالات مدارات السفهاء، والانتصار للحق في حوار العقلاء، أو للنفس عند رد عدوان الجهلاء.

وإذا كان الأمر بالكون مع الصادقين للوجوب، ثارت إشكالية أخرى هي أنه لابد من وجود جماعة الصدق في كل عصر، وإلا كان الأمر في غير محله ! ، فكيف الاهتداء إليها لمرافقة أهلها والانصهار في صفهم؟

يجيب القرآن الكريم على هذا التساؤل بقوله تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران104، ويشرح الرسول الكريم ذلك بقوله: (لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُون ) البخاري، وهذا يجعل الأمة الإسلامية معصومة عن الخطأ، ويجعل إجماعها حجة تشريعية في مجال استنباط الأحكام، والإجماع على الباطل متعذرا؛ كما ورد في الحديث الذي أخرجه الترمذي ( عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ) ، وكلما حاول أهل الباطل تزييف الشريعة الإسلامية بادعاء الإجماع على الباطل، تصدت لهم طائفة الصدق والرشد والهدى التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، تصدع بالحق وتخرم إجماع الباطل وتسفهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت