فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 176

وإذا كان هذا التوجيه النبوي يعني كل مسلم ، فإن أصحاب الرسالة وأرباب الدعوة إلى الله تعالى هم الأحوج إلى تدبر قوله صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره ، لعظم ما حملوه من أمانة التبليغ وخطورة ما اشتغلوا به من أداء الرسالة ، فخلق الحياء لدى الداعية سر كل خير وفضيلة كما أن انعدامه أصل كل شر وبلية ؛ لأن الاشتغال بالدعوة رسالة وأمانة ، وفاقد الحياء بغيض ممقوت عاجز عن أداء الأمانة، فشيمته الغدر والخيانة ، ومن كانت هذه خصاله نزعت منه الرحمة فلم يتورع عن المكر بالمؤمنين وإلحاق الأذى بالدعاة الصادقين والإساءة إلى دعوة الله بالكذب والافتراء والتشويه.

إن لفظ"الحياء"مشتق من جذره اللغوي"حَيَِي يحيَى"على وزن رضِي يرضى، والحاء والياء وحرف العلة أصلان:

الأول خلاف الموت، ومنه: الحياة والحيوان ضد الموت والموتان. قال تعالى (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) - العنكبوت64 -، أي هي دار الحياة الحقيقية الدائمة.

أما الأصل الثاني فمنه:"الحياء، وهو الاستحياء ضد الوقاحة والبذاء، وهو انقباض عن القبائح وتغير وانكسار يعتري النفس خوف ما تعاب عليه وتذم، ومن ذلك الحديث المروي عن أبي بكرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"البذاء من الجفاء والجفاء في النار ، والحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة"- صحيح ابن حبان -."

لقد جعل الله تعالى الحياء في فطرة الإنسان يستعين بها على تجنب القبائح ظاهرةً وباطنةً، فتردعه عما تنزع إليه شهواته السائبة، وترشده إلى الحق من الأقوال والأعمال، ولئن نُزع الحياء من البعض فما ذلك إلا لشقاوة طارئة بتأثير التربية أو الرفقة السيئة أو الشهوات الخفية أو الابتعاد عن الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت