فهرس الكتاب
إن خلق الحياء مركب من صفتين متناقضتين في ظاهرهما ومتكاملتين في جوهرهما، وهما الجبن والشجاعة، جبن وعفة واستعلاء عن السوء والدَّنِيَّة والضَّعَة، وشجاعة وقوة في الحق، لذلك قلما يكون الحَيِيُّ فاسقا والفاسق حَيِيًّا، لتنافي اجتماع العفة التي هي جبن عن ارتكاب الفواحش مع الفسق الذي هو منتهى الجراءة على الله والناس. ولقد أجاد الشاعر الفرزدق رحمه الله تعالى في تشخيص اجتماع الحياء مع الشجاعة عند مدحه الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه، بقوله:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتَه والبيت يعرفه والحِلُّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يُغْضِي حياء ويُغْضَى من مهابته فما يُكلَّم إلا حين يبتسم
إن أول ما يظهر من سمات العقل لدى الناشئ حياؤه، دليلا على بلوغه مرحلة التمييز بين الخطأ والصواب والحسن والقبيح، كما أن أعلى ما يبرز فيه من صفات العقل إيمانُه؛ والحياء بذلك باكورة ثمار العقل، والإيمان يانعُ ثمارِه وتمامُها وكمالُها.لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الحياء من الإيمان ) البخاري - الترمذي.
إن للحياء رافدين من عقل وإيمان:
فمن ملامح نضج العقل لدى المرء معرفتُه ربَّه وتمييزُه المصالحَ من المفاسد وحياؤه مما يشينه عقيدةً وسلوكا.
ومن معالم الإيمان فيه شعورُه بالمَعِيَّة الإلهية، واستعدادُه ليوم اللقاء والعرض، واستحياؤه الدائم من ربه، وتعففُه عما يستقبح ويستقذر. قال صلى الله عليه وسلم: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ) البخاري ( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ) مسلم