فهرس الكتاب
أما الحياء من النفس فهو ألا يقصر المرء في حقها تزكية وتنقية وتربية وطلبا للعلم النافع ، وتنزها عن مواطن الدناءة والضعة والهوان، وترفعا عن الوقوف مواقف الذلة والصغار والتزلف، قال صلى الله عليه وسلم: ( فإن لنفسك عليك حقا ) - السنن الكبرى-، وقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) - الشمس 9،10 -.
أما الحياء من الناس فمتفرع عن الحياء من الله ثم من النفس، وثمرته أن تبنى العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأمة على المروءة والتعاون والبر والاحترام المتبادل، فتكون الأمة بذلك كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
إن أخطر ما يصيب الأمة في سلوكها الاجتماعي هو مرض انعدام الحياء، ونزعه من فطرة أبنائها، وهو ما نراه اليوم سائدا، وما تعمل له أمم الكفر في أبنائنا بواسطة وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة والشبكات الإلكترونية، ومؤسسات السياحة الفاجرة.
وإن أعراض مرض انعدام الحياء من المرء والمجتمع تبدأ بسيطة كشأن أغلب المعاصي ، ثم تتعاظم وتشتد إلى أن تورد صاحبها المهالك .
تبدأ أولا جدالا حول الأحكام الشرعية ونصوصها ، ثم تأويلا مغرضا لها حسب المصالح والأهواء، ثم انتقاء منها ما يناسب المصالح الشخصية ، ونيلا من الذين يحافظون عليها ويجرونها على مقاصدها الشرعية ، ثم يتعدى ذلك إلى تحريف النصوص نفسها ومحاولة إلغائها وضرب بعضها ببعض ، ثم ينحط المرء إلى أسفل الدركات بالجدل في أصلها والتعدي على حدودها .
وإذا تجرأ الإنسان على ربه وتشريعه كان من باب أولى أن يتجرأ على خلق الله وأعراضهم ودمائهم وأموالهم .