فهرس الكتاب
هذه الخصال الواردة في سورة الإسراء ضمن ثماني عشرة آية، تعد شرائع واجبة الرعاية غير قابلة للنسخ في جميع الملل والأديان، قال عنها ابن عباس إنها وردت في ألواح موسى، ونسبها رب العزة للوحي وسماها حكمة (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) ، لأنها مصالح محكمة لا يدخلها الفساد. وكما أن رأس الحكمة معرفة الحق لذاته وهو التوحيد، ومعرفة الخير الذي هو التكاليف والطاعات للعمل به، كذلك جعل الله تعالى فاتحة هذه التوجيهات الأمر بالتوحيد (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) وخاتمتها النهي عن الشرك (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورا ) لأن ذلك هو رأس الحكمة وملاكها، ومن عدم التوحيد لم ينتفع بعلم ولم ترشده حكمة.
ثم رتب على الأمر بالتوحيد في البداية نتيجة المخالفة في الدنيا وهي الذم والخذلان ( لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا) أي مبغضا محقرا ضعيفا، ورتب على النهي عن الشرك في الختام نتيجة المخالفة في الآخرة ( مَلُومًا مَدْحُورا ) أى مبعدا مطرودا من رحمة الله تعالى؛ والمراد بهذا الخطاب هو الأمة بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم عن الشرك وسوء الخلق.
كما أن من غريب الإعجاز في ترتيب هذه التوجيهات القرآنية ربطها الأمر بالتوحيد في أولها بأخطر معصية بعد الشرك وهي عقوق الوالدين ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا ) ، وربط النهي عن الشرك في ختامها بالتواضع واجتناب الكبر والتعاظم.