فهرس الكتاب
قبل أن يورد القرآن هذه الصفات، ذكّر بما يسره الله تعالى للمؤمنين وما سخره لهم من خلائق، عونا لهم على الطاعة، وامتن بذلك عليهم إذ جعل لهم في السماء بروجا ليعلموا عدد السنين والحساب فينظموا عباداتهم حسب مواعيدها ومواقيتها، وجعل الشمس سراجا والقمر منيرا، والليل والنهار خلفة يتعاقبان، يخلف كل منهما الآخر فقال عز وجل: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا) الفرقان 61، إشارة منه تعالى إلى أن هذه الصفات ينبغي التحلي بها على مدار الليل والنهار العمر كله، إذا ما اختار المؤمن مرقاة ( عباد الرحمن) ، فإن فاته فضل بالليل قضاه بالنهار، وإن فاته بالنهار قضاه بالليل، قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وقد فاتته قراءة القرآن بالليل:"يا ابن الخطاب لقد أنزل الله فيك آية وتلا (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) ، ما فاتك من النوافل بالليل فاقضه في النهار، وما فاتك من النهار فاقضه في ليلك".
أول صفات هذه الطائفة المكرمة عند ربها، صفة لهم بالنهار في تعاملهم مع الخلق، وصفة لهم بالليل في تعاملهم مع الخالق وخلوتهم بربهم، وصفة في كل أحوالهم ولكنها في جوف الليل أرجى.
1-صفة النهار في التعامل مع الخلق:
بما أن العبادة الإسلامية شقان، يتعلق أحدهما بحق الله تعالى، والثاني بحقوق الخلق، والغالب على أعمال النهار التعامل مع الناس ومخالطتهم، فقد بدأ سبحانه بما ينبغي أن تكون عليه عبادة الاختلاط بالخلق والتعامل معهم، بما يجلب النفع للجميع ويدفع الأذى عن الكافة، فقال عز وجل: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) ، فكان لهذا السلوك الحكيم وجهان: وجه مبادأة ووجه مجازاة: