فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 155

ومن آثار توحيد المسلم لله في اسمه القدير يقينه بأن القضاء والقدر أمر واقع محتوم، وذلك لا يعني أنه مجبر مظلوم، فهو في دار ابتلاء مخير في فعله، محاسب على ذنبه، وأن الابتلاء له وجهان: وجه يتعلق بقدرة الله وفعله بنا، ووجه يتعلق بفعلنا تجاه فعله، ومدى التزامنا بأمره وشرعه، فإذا أيقن العبد بذلك ظهرت آثار الإيمان على حركاته وسكناته، فلن يحتج بالقدر على عصيانه ومخالفاته، لعمله ويقينه أن التقدير المحكم لا بد بالضرورة أن يسبق التخليق والتصنيع، وأن الله - عز وجل - أحكم للمخلوقات غاياتها، وقضى في اللوح أسبابها ومعلولاتها، فلن يتغير بنيان الخلق إلا بعد استكماله وتمامه، ولن يتبدل سابق الحكم في سائر الملك إلا بقيامه وكماله، وتلك مشيئة الله في خلقه .

24 -اللطيفُ - جل جلاله -

قال تعالى: { ألا يَعْلم من خَلق وَهُوَ اللطِيفُ الخَبِيرُ } [الملك:14] .

وصح من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: (لتخبِرِينِي أو ليُخبِرَني اللطِيفُ الخبِيرُ) [1] .

واللطيف سبحانه هو الذي اجْتمع له العلم بدَقائق المصَالح وإيصَالها إلى من قدرها له من خَلقه مع الرفق في الفِعل والتنفيذ، والله سبحانه لطيف بعباده رفيق بهم قريبٌ منهم، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان، ويدعو المخالفين إلى الإنابة والتوبة والغفران، مهما بلغ بهم الذنب والجرم والعصيان، وهو لطيف بعباده يعلم دقائق أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء مما في صدورهم .

واللطيف أيضا هو الذي ييسر للعباد أمورهم ويستجيب منهم دعائهم فهو المحسن إليهم في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، فنعمه عليهم سابغة ظاهرة لا يحصيها العادون، ولا ينكرها إلا الجاحدون، وهو الذي يرزقهم بفضله من حيث لا يحتسبون، كما أنه يحاسب المؤمنين حسابا يسيرا بفضله ورحمته، ويحاسب غيرهم من المخالفين وفق عدله وحكمته .

(1) 101) ... صحيح مسلم (974) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت