8 -اعتزاله الناس وترك وظائف التدريس كافة، وترك الإفتاء، وانزواؤه في بيته، حيث انصرف إلى تنقيح مؤلفاته وتحريرها، وكان هذا في أواخر عمره.
والذي يبدو لي أن كل هذه الأسباب التي ذُكرت ترجع لأمرٍ واحد يكمن في شخصية العلاّمة السيوطيّ نفسه.
فكثرة مؤلفاته أمر طبيعي لما يتمتع به من شخصية عملاقة في مختلف فنون المعرفة العلمية والأدبية والإسلامية، ولما يمتلكه من غزارة في العلم، وقوة في الفكر، وصفاء الذهن، وطول الساعد، وكثرة الصبر والتأمل، ولما يمتلكه من حافظة قوية مكنته من أن يختزن جميع ما قرأه أو سمعه وأن يفرغ ذلك في مؤلفات حتى بلغت ما بلغته من الكثرة والشهرة، وأنتج لنا ما أغنى به المكتبة العربية والإسلامية من متون الكتب وأمهات المسائل، ومصنفات الفروع.
ولا ننسى دور الإلهام الإلهي الذي مكن العلاّمة السيوطيّ من ذلك، إذ عرفنا أنه كان من أصحاب التصوف أو يميل إلى التصوف، وان له كرامات.
وفاته، جاء في شذرات الذهب"ولما بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة، والانقطاع إلى الله، والاشتغال به صرفا، والإعراض عن الدنيا وأهلها، كأن لم يعرف أحدا منهم, وشرع في تحرير مؤلفاته أقام في روضة المقياس ولم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه، وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها توفي سحر ليلة الجمعة تاسع عشر من جماد الأولى (سنة 911هـ) (1) في منزله بروضة المقياس، بعدان تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه اليسرى، عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر، وثمانية عشر يوما، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة". (2)
1 -... وعليه فلا يلتفت إلى ما ذكره الخونساري في روضات الجنات والقمي في الكنى والألقاب، من انه توفي سنة (910هـ) ، وما ذكره الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين من إن وفاته كانت سنة (913هـ) ، لأن أصحاب القول الأول هم تلاميذ السيوطيّ ومعاصروه كابن إياس والشاذلي والشعراني وغيرهم. ينظر: الإمام السيوطيّ وجهوده في علوم القرآن، ص77.
2 -... شذرات الذهب، ج8 ص53 - 54.