ويعالج علم الدّلالة نوعين من العلاقات، الأولى منها علاقة الدال بالمدلول، وكيف يدل الدال الواحد على أكثر من مدلول، أو حتى على مدلولين متضادين، وكيف تدل دلالات مختلفة على مدلول واحد، كما يتابع هذا النوع من علم الدّلالة حياة المفردات وحركتها داخل اللّغة، والمدلولات التي يكتسبها الدال الواحد في حياته، وعلاقة هذه المدلولات بعضها ببعض، كما يناقش سبب هجرة كثير من الدلالات مما يؤدي بالنهاية إلى موتها، في حين تمثل العلاقة الثانية منها: علاقة المدلولات بعضها ببعض، وكيفية تقسيم اللّغة إلى حقول دلالية ترتبط مدلولاتها بنوع معين من العلاقات. (1)
ويدرس علم الدّلالة فرعين أساسيين، هما:
1 -معاني المفردات، وكيفية دلالتها على الأشياء المجردة.
2 -معاني الجمل والتراكيب، وكيفية أدائها للمعنى وكيفية اكتساب الألفاظ دلالات إضافية في التراكيب المختلفة. (2)
ولم يكن البحث الدّلالي مقصورًا على اللغويين فحسب، بل شارك في تناوله بالدراسات علماء ومفكرون في ميادين عدة، كالفلاسفة والمناطقة والأصوليين والبلاغيين وعلماء النفس والاجتماع والاقتصاد، وسواهم من العرب والهنود واليونان، وأدلت كل طائفة بدلوها فيه، وكان لها منهاجها الخاص، واهتمامها المميز في تناول المعنى. (3)
وربما ترتبط الدّلالة اشد الارتباط بالفلسفة والمنطق من أي فرع آخر من فروع المعرفة، حتى ذهب بعضهم إلى القول بأنك لا تستطيع القول متى تبدأ الفلسفة وينتهي السيمانتك، وهل الفلسفة داخل السيمانتك أو السيمانتك داخل الفلسفة، كما أفادت اللسانيات (علم اللّغة الحديث) كثيرًا من جهود الفلاسفة وعلماء الأجناس البشرية وعلماء النفس. (4)
وللاختلاف الحاصل في تحديد الدّلالة سبب مهم من أسباب اختلاف الفقهاء حتى صار منهم الحنفي والمالكي والشافعي والأمامي والحنبلي، وكان أيضا سببًا مهمًا من أسباب اختلاف علماء الكلام (أصول الدين) فصار منهم الأمامي والاشعري والمعتزلي والجبري والقدري وغيرهم. (5)
1 -... ينظر: النحو والدلالة، ص33. علم الدّلالة العربي، ص55
2 -... ينظر: مناهج البحث في اللّغة، ص24. علم اللّغة بين التراث والمعاصرة، ص233.
3 -... ينظر: البحث الدلالي عند ابن سينا، ص80.
4 -... ينظر: البحث الصوتي والدلالي عند الفيلسوف الفارابي، ص115 - 116. و علم الدّلالة (بالمر) ، ص16 - 17. و علم اللّغة بين التراث والمعاصرة، ص233. و مباحث في علم اللّغة واللسانيات، ص181 - 184.
5 -... ينظر: ابن قيم الجوزية وجهوده في الدرس اللغوي، ص170