الصفحة 34 من 164

في إشكال عدم صدقه، ولما كان صادرا عن المصطفى عليه"الصلاة والسلام"المعصوم من الكذب، فلا بد حينئذ من تقدير محذوف لتستقيم به دلالة النص. (6)

1.... المستصفى، ج1 ص186. وينضر شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، ج1 ص239.

2.... ميزان الأصول، ج1 ص573

3.... معترك الأقران، ج1ص158.وينظر: التحبير في علم التفسير، ص428.الإتقان في علوم القرآن، ج2ص89

4.... ينظر: المستصفى، ج1ص186. ميزان الأصول، ج1 ص573. إرشاد الفحول، ص178.

5.... ينظر: الحاكم في مستركه على الصحيحين، ج2 ص216. وسنن ابن ماجة، ج1ص659.

6.... ينظر: مفاهيم الألفاظ ودلالتها عند الأصوليين، ص21 - 22.

2 -تقدير محذوف ليصدق الكلام عقلا: أي أن يرد الكلام جاريا على نسق العربية لكن العقل لا يقبله على ظاهره إلا أن يقدر محذوف حتى يصبح الكلام معقولا. (1)

وذكر العلاّمة السيوطيّ ذلك، ومثل له بقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (2) ، أي أهلها، إذ لا يعقل أن يسأل القرية ولا بد عندئذ من تقدير محذوف ليصبح الكلام مقبول عقلا وهو أهل القرية. (3)

والذي ذكره العلاّمة السيوطيّ هو مذهب الأصوليين، (4) غير أن ابن قيم الجوزية ... (ت 751هـ) ذكر أن مدلول لفظ"القرية في اللّغة أوسع من ذلك، إذ يطلق على السكن تارة وعلى المسكن تارة، بحسب سياق الكلام وبساطته "

فلا إضمار في ذلك ولا حذف، فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه". (5) "

ويمكن أن يحمل كلام ابن قيم الجوزية هذا على التوسع الدّلالي الذي لا يقتصر عنده على الألفاظ التي علق الشارع عليها أحكاما معينة بل هو اتجاه عام عنده في دراسة المعنى. (6)

3 -تقدير محذوف ليصح الكلام شرعا: قد يرد الكلام صحيحا من جهة تركيبه اللغوي، وفي هذا الكلام حكم شرعي، ولكن لا صحة لهذا الحكم إلا بوجود شيء آخر يقدر ضرورة لتصحيحه، فيقدر هذا المحذوف ليأتي الكلام مطابقا للشرع. (7)

لأن ما كان من ضرورات الشيء لا يكون الشيء إلا بإثباته، لذلك قال أهل الأصول: مقدمة الواجب واجب، وان الأمر بالشيء أمر بما لا صحة له بدونه، مثل الأمر بإقامة الصلاة أمر بتحصيل شرائطه كالوضوء مثلا. (8)

ومن أمثلة هذه المفردة قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} . (9) فنص الآية يشير إلى وجوب تحرير رقبة مؤمنة في هذه الحالة -أي قتل الخطأ- إلا إن لفظ الرقبة يحتمل الحرة والمملوكة، والحرة لا يقع فيها التحرير، أما المملوكة فقد تكون ملكا له أو لغيره ولا يجوز تحرير مال غير عن نفسه، فصار التقدير إذن: عليه تحرير رقبة مؤمنة مملوكة له. (10)

1.... ينظر: مفاهيم الألفاظ ودلالتها عند الأصوليين، ص23.

2.... سورة يوسف: من الآية82.

3.... ينظر: معترك الأقران، ج1 ص159. الإتقان، ج2 ص89. التحبير، ص425.

4.... ينظر: ابن قيم الجوزية وجهوده في الدرس اللغوي، ص178.

5.... بدائع الفوائد، ج3 ص25.

6.... ابن قيم الجوزية وجهوده في الدرس اللغوي، ص178.

7.... ينظر: فواتح الرحموت، ج1 ص296.

8.... ينظر والبحث الدلالي عند الشوكاني، ص39. دلالة النص عند الأصوليين، ص8.

9.... سورة النساء: من الآية92.

10.... ينظر كشف الأسرار، ج1 ص78.

دلالة الإشارة:

هي دلالة اللفظ على معنى أو حكم لكنه غير مقصود من السياق، لا أصالة ولا تبعا، ولكنه لازم للمعنى الذي سيق الكلام من اجله، وهو عبارة النص عند الأحناف. (1)

وعرفه الغزالي بأنها"ما تبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه". (2)

وعرفه العلاّمة السيوطيّ بأنها دلالة المنطوق إذا لم يتوقف صحته على إضمار ويدل على ما لم يقصد إليه. (3) ومثل له بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلى نِسَائِكُمْ ّ} (4) ، قال: فإن المقصود به جواز الجماع في الليل، وهو صادق بأخر جزء منه، فيدل بالإشارة على صحة صوم من أصبح جنبا. (5)

وفي هذه الدّلالة يلتقي المتكلمون والأحناف مصطلحا ومضمونا، فقد عرفه السمرقندي بقوله:"ما عرف بنفس الكلام بنوع تأمل من غير أن زاد عليه شيء أو ينقص منه شيء، لكن لم يكن الكلام سيق له، ولا هو المراد بالإنزال حتى يسمى (نصا) ، ولا عرف أيضا بنفس الكلام في أول ما قرع سمعه من غير تأمل حتى يسمى (ظاهرا) . (6) "

وسميت هذه الدّلالة بـ (دلالة الإشارة) لأنها تشير وتؤمي للسامع الذي غفل عن هذا المعنى المضمن في النص و انشغل أو اقبل إلى ظاهر النص. (7)

ومن أمثلة الإشارة قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} . (8)

1.... ينظر: أصول السرخسيج1 ص236. المغني في أصول الفقه، ص149. فواتح الرحموت، ج1 ص407. الوجيز في أصول الفقه، ص356.

2.... المستصفى، ج2 ص188.

3.... ينظر: الإتقان في علوم القرآن، ج2 ص89. معترك الأقران، ج1 ص101.

4.... سورة البقرة: من الآية187.

5.... ينظر: الإتقان في علوم القرآن، ج2 ص89. معترك الأقران، ج1 ص101.

6.... ميزان الأصول، ج1 ص54

7.... ينظر: تيسير علم الأصول، ص55.

8.... سورة الحشر:8.

فالآية نص في بيان استحقاق الفقراء من المهاجرين نصيبا من الفيء، لأنها نزلت لبيان هذا الحكم على سبيل تفسير لما سبق من قوله {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} . (1) وفي الآية إشارة إلى زوال ملك هؤلاء الفقراء المهاجرين عن أموالهم في مكة. لان لفظ الفقير يدل حقيقة على عديم المال. (2)

مفهوم الموافقة:

هو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه، لاشتراكهما في علة الحكم ويدرك هذا الحكم كل عارف باللّغة من غير نظر واجتهاد. (3)

وعرفه إمام الحرمين الجويني بقوله"هو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق به من جهة أولى". (4)

وعرفه الغزالي"فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصودة". (5)

وعرفه العلاّمة السيوطيّ بأنه"ما يوافق حكمه المنطوق". (6)

وفي هذه الدّلالة يلتقي المتكلمون مع الأحناف مضمونا لا مصطلحا، فهي عند الأحناف تسمى"دلالة النص"، فقد عرفها البزدوي بقوله:"ما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادا واستنباطا". (7)

وقد قسم العلاّمة السيوطيّ مفهوم الموافقة على قسمين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت