السيوطيّ، إذ استطاع فيها تلقي مبادئ العلوم في يسر وسهولة، ثم كانت المدة الثانية من الاستقرار والهدوء السياسي التي حضي بها العلاّمة السيوطيّ، هي مدة حكم السلطان قيتباي التي استمرت 29سنة، فاستطاع السيوطيّ في هذه المدة التمكن من العلم والتدريس، ولم يكن لينم هذا لولا ما حققه له هكذا مناخ صالح للعلم والتعلم. (2)
لم يقترب السيوطيّ من السلاطين، ولم يتعامل معهم، بل ظل بعيدا عنهم لا يأتيهم إلا قليلا، ويتضح ذلك من انه لم يتولَّ أي منصب، ولا سيما آخر عمره إذ انقطع عن الناس في منزله، وذكرت بعض المصادر أن السلطان قانصوه الخوري أهدى إلى العلاّمة السيوطيّ خصيا وألف دينار، فرد الألف، وأخذ الخصي فأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية، وقال لقاصد السلطان: لا تعد تأتينا بهدية قط، فان الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك، وقد طلبه السلطان مرارا فلم يحضر إليه وامتنع عن الذهاب. (3)
عاش السيوطيّ مدة رعب في ظل السلطان طومان باي بن قانصوه الأشراف لما صمم على قتله، فاضطر السيوطيّ إلى الاختفاء مدة حكمه من سنة 905هـ-906هـ، وهو يتمثل قول نبي الله موسى (عليه السلام) {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} (4) . (5)
"وفي هذه الفترة المضطربة ظهر الشيخ جلال السيوطيّ، فاستطاع أن يشق طريقه وسط تلك الفترة العارمة، والفتن المتعاقبة، التي زعزعت الدولة وجعلت الحكم ألعوبة بيد حفنة من الأنفار". (6)
1 -... حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة (السيوطي) ج2 ص94.
2 -... ينظر: شذرات الذهب، ج1.
3 -... ينظر: الضوء اللامع، ج3 ص71 - 74. نظم العقيان، ص103. حسن المحاضرة، ج2 ص121؟
4 -... سورة الشعراء: من الآية21.
5 -... التحبير في علم التفسير للسيوطي (التحقيق) ، ص21.
6 -... السيوطيّ النحوي- د. عدنان محمد سلمان، ص26. ...
ثانيا: الناحية الاجتماعية:
عاش السيوطيّ في مجتمع طبقي وكون من طبقتين متميزتين: طبقة حاكمة وأخرى محكومة.
الطبقة الحاكمة، تتكون من السلطان وأمراء الدولة والجند، إذ كانوا يستبدون بكل أسباب القوة والمنعة، فقد قصروا أنفسهم على التعليم العسكري والفروسية، واستأثروا بمناصب الدولة العليا والعسكرية منها.