نسخة للطباعة إرسال لصديق
6ـ استسلام الفتاة للحاكمية الربانية
ويقصد بالحاكمية لله تعالى: أن يقوم العبد المؤمن بتحقيق مراد الله تعالى ظاهرًا وباطنًا حسب استطاعته، فالشريعة إنما وضعت لعتق المكلفين من أهوائهم؛ حتى يكونوا عبيدًا لله تعالى اختيارًا، كما هم عبيد له اضطرارًا، وهذا مضمون معنى العبادة ومستلزماتها من الذل والخضوع والانقياد.
والكتب تمثل إرادة الله تعالى من عباده باعتباره -- سبحانه وتعالى - - مصدر السلطان الأول والأخير في الوجود، فتتلمس الفتاة من خلال تطبيق الكتاب: مرادات الله تعالى في كل جزئية وكلية، وتشعر بارتباطها جميعًا بجذور العقيدة؛ فلباس الفتاة - مثلًا- ليس بذي قيمة حقيقية إن لم يكن تعبيرًا عن موقف فكري، ومبدأ تؤمن به وتمارسه في واقع الحياة، فما قيمة الحجاب إذا كان الدافع لارتدائه العادات والتقاليد"الهشة"وليس حكم الله تعالى، وما قيمة أيِّ سلوك تقوم به الفتاة إن لم يكن صاردًا عن جذْر الإيمان بحق الله تعالى في الحكم والتشريع.
إن القيمة الحقيقية التي تقوَّمُ بها الأعمال هي: قدر حظِّها من الارتكاز على الاعتقاد وأصول الإيمان، المتمثل في استشعار الرغبة الصادقة في تحقيق مراد الله تعالى، وحاكميته في واقع الحياة من خلال السلوك الذي وصفه في الكتاب ورغَّب فيه، مع ربط كل عمل من الأعمال الإرادية الظاهرة أو الباطنة بأصل المعتقد.
ولقد تعرَّض مبدأ الحاكمية -بهذا المعنى- في العصر الحديث ـ ولا سيما بعد الثورة الفرنسية عام 1789م وظهور مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان ـ إلى هزَّات شديدة أخذت تنقل الإنسان - ولا سيما الأوربي- بالتدريج بعد مراحل طويلة من الخسف والإذلال إلى مراتب عالية، قد تصل في علوِّها إلى حد الإلهية، فيسبغ على نفسه من خلال مبادئ الحرية والديموقراطية - خصائص الإلهية في الحكم والتشريع والسلطة، التي لا تكون إلا لله تعالى وحده.