ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (آية المنافق ثلاث، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) (1) . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يطبع المؤمن على كلّ خلة إلا الخيانة والكذب) (2) .
ومع هذا الوعيد الشديد أباحه لما عارضت مفسدته مصلحة كبرى، هي الإصلاح بين الناس فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس بكذّاب مَن أصلح بين اثنين، فقال: خيرًا أو نمى خيرًا) (3) ، بل يصير الكذب واجبًا يعاقب على تركه، كما إذا ترتب عليه حقن دم مسلم بريء.
وكذلك أعراض الناس محرمة أشدّ التحريم حتى جعلها الشارع من أربى الربا الذي أخفّه أشدّ من اثنين وثلاثين أو ست وثلاثين زنية في الإسلام.
ومع هذا الوعيد الشديد أبيحت في جرح الرواة والشهود؛ لما يترتب عليها من عظيم المصلحة في حفظ الدين وحقوق المسلمين.
وظهور الناس محرَّمةٌ أشدّ التحريم، ومع ذلك أبيحت في الزكاة والمغانم في الجهاد؛ لما في ذلك من المصالح الكبرى من نشر الدين وإعلاء كلمة الله ومعونة الفقراء.
وهكذا تنبني أحكام الشريعة كلّها على مراعاة المصالح، وتدور معها كيفما دارت، كما يعرف ذلك مَن تتبَّعَه وأمعنَ النظرَ فيه.
وإذا ثبت ذلك، فالمصلحة قاضية بإخراج المال، وتفضيله على الحبوب.
الوجه الثاني والثلاثون
(1) في صحيح مسلم 1: 78، واللفظ له، وصحيح البخاري 1: 21، وصحيح ابن حبان 1: 490، وغيرها.
(2) في مسند أحمد 5: 252، والأحاديث المختارة 3: 258، وسنن البيقهي الكبير 10: 197، ومصنف ابن أبي شيبة 5: 236، ومسند البزار 3: 341، ومسند سعد 1: 121، وغيرها بألفاظ متقاربة.
(3) في مسند الشهاب 2: 210، وتاريخ بغداد 6: 383، وغيرهما.