إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحصر الواجب في المنصوص عليه، ويقل: لا يجوز لكم إخراج غيره، بل صرَّح بالعلّة التي تشمل المال بالطريق الأولى، ولذلك أخرج الصحابة ( في حياته الزبيب والسُّلت والأَقط، مع أنه لم يفرض إلا التمر والشعير والبُرّ، فقبل منهم ولم يرده عليهم، فكان أعظم دليل على عدم الحصر في الأنواع المذكورة، وأن المراد ما صرّح به في العلّة، وهو إغناء الفقراء يوم العيد؛ ولذلك أتى الصحابة ( بكلّ ما يعدّ غنى في عصرهم، وإن لم ينصّ عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإغناء في عصرنا بالمال، فكان إخراجه هو الأولى والأفضل.
الوجه الثامن عشر
إنه لو لم يرد نصّ بالتعليل، أو على فرض عدم صحّته، فالعقل وشواهد الحال وأصول الشرع قاضية باعتباره خصوصًا، وقد تقرَّر في أصول الفقه وقواعد مذهب الإمام مالك أن الأصل في الأحكام المعقوليّة لا التعبّد؛ لأنه أقرب إلى القبول والبعد عن التحرج، كما نصّ عليه المقري في (( قواعده ) ).
الوجه التاسع عشر
إن كلّ كلام معناه أوسع من اسمه، فالحكم لمعناه لا لاسمه، كما تقرَّر في الأصول، وذلك كالنهي عن الاستجمار بدون ثلاثة أحجار (1) ، فإنّ معنى الحجر أوسع من اسمه في هذا التركيب، فيجزئ ثلاث مسحات بحروف حجر واحد، كما يجزئ بغيره ممّا في معناه من كلّ طاهر مزيل لعين النجاسة.
وكذلك القول هنا، فإن معنى المنصوص عليه أوسع من اسمه، فيجوز إخراج كلّ ما ينفع الفقير ويسدّ حاجته وخلته يوم العيد.
الوجه العشرون
(1) فعن أبي هرير (، قال (:(من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن) في صحيح ابن حبان 4: 257، والمستدرك 1: 261، والمسند المستخرج 1: 301، وغيرها.