ولولا هذا المعنى لما شرط صلى الله عليه وآله وسلم إخراجها قبل الصلاة، وغاير بين حكمها قبل الصلاة وبعدها بجعل الأولى فرضًا مقبولًا، والثانية صدقة من الصدقات؛ لأن الفرض مثاب عليه أكثر من غيره، فيسارع الناس إليه، والحكمة ما ذكرناه، وإلا فمن المعلوم أن انتفاعَ الفقير بالمدّ من الطعام قبل الصلاة مساوٍ له إذا أخذه بعدها بدون فارق أصلًا.
وهذا القصد لا يحصل اليوم للفقراء بالحبّ؛ لأنه مع كونه غير طعام لهم، فإنّهم محتاجون إلى غيره ممَّا يُؤْتَدَم به من لحم وإدامٍ وخُضَر وغيرها، ممَّا يشتدّ حزنهم من فقدانها يوم العيد ما لا يشتدّ، بل ولا يحصل في سائر الأيام، حيث جرت العادة بالتوسع في الطعام يوم العيد.
ولهذا نوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفطرة إلى ما هو طعام مجرد كالبُرّ والسُّلْت والشَّعير، وإلى ما هو طعام وحلواء كالتمر والزبيب؛ لأن هذه الأشياء كان طعام جميع الطبقات في ذلك العصر، فيستوي في تناولها الغني والفقير يوم العيد.
أما في عصرنا هذا، فإن التمر والزبيب لا يستعملان خصوصًا في الحواضر لا طعامًا ولا حلواء، بل القائم مقامهما بالمغرب اليوم هو السكر والشاي، فإن غالبَ الناس يتأدَّم به، ومنهم مَن يفضِّله على الإدام، ويكتفي به عنه.
وإذا انتقلت الحاجة جاز إخراجه، أو إخراج القيمة التي يتوصّل بها إليه، كما جوّز الفقهاء إخراج الأرز والذرة والجبن والخبز واللحم وغيرها ممَّا لا ذكر له في الحديث؛ لكونها طعامًا للناس.
الوجه السادس عشر
إن الزكاة وجبت على كلّ أحد في ماله الذي عنده لا يكلّف استحضاره غيره كما ورد في الأحاديث التي سبق بعضُها، وكما نصّ عليه ابن العَرَبي في (( العارضة ) ) (1) ، وغيره.
والذي عند الناس اليوم هو الدقيق أو المال، فالواجب عليهم الإخراج ممّا عندهم، ولا يكلفون استحضار الحبّ الذي ليس عندهم.
الوجه السابع عشر
(1) عارضة الأحوذي 3: 189.