ما تقرَّر في قواعد المالكية أيضًا: من أنه لا فضل للمنصوص على غيره ممّا هو في معناه؛ ولذا قَدَّم ابنُ الحاجب (1) العسل في قوله: وأما الجامد كالعسل والدهن الجامدين؛ إشارة إلى هذه القاعدة؛ لأن العسل غير منصوص عليه في المسألة المذكورة.
فكذلك يقال: هذا الدقيق والمال لا فضل للمنصوص عليهما على مقتضى هذه القاعدة، وقد عمل بها الفقهاء في مسألتنا أيضًا، بل فضلوا بعض ما لم يرد به النصّ على ما ورد، بل منهم مَن منع بعض الوارد، وقال: لا يجوز إخراجه مع تجويزه ما لم يرد.
الوجه الثالث والعشرون
إن المنصوص عليه بيان لقدر الواجب لا لعينه؛ إذ لو كان بيانًا لعين الواجب لَمَا خالفه الصحابة ( والتابعون والأئمة والفقهاء فذكروا من الأعيان ما لم يرد به نصّ من الشارع، وإذا ثبتَ ذلك جاز إخراج المال.
وعلى هذه القاعدة بَنَى مَن قال: بجواز إخراج القيمة كابن القاسم وأشهب وأصبغ وابن وهب وابن حبيب وغيرهم من المالكية، واستثناء ابن القاسم لزكاة الفطر خروج عن هذه القاعدة، وتحكُّمٌ لا دليلَ عليه، بل هو مجرد استحسان؛ لأنه لا فارق بين زكاة الفطر وزكاة المال، فإمّا أن تجوز القيمة فيها، أو تمنع فيها.
الوجه الرابع والعشرون
إن مراعاة حقّ الفقراء مُقدّمٌ عند الإمام مالك كما نصّ عليه فقهاء مذهبه.
ويؤيّده في مسألتنا كون الشارع فرض زكاة الفطر حتى على الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، بل وعلى الذي لم يخلق بعد على مذهب بعض الأئمة مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علَّل وجوبها بكونها طهرة للصائم من اللغو والرفث.
(1) وهو عثمان بن عمر بن أبي بكر الدّوَني الكردي الأَسْناوي المصري المالكي الأصولي النحوي، أبو عمرو، جمال الدين، من مؤلفاته: مختصر منتهى السَّول والأمل في علمي الأصول والجدل، والكافية، والشافية، وجامع الأمهات، والإيضاح، والمقصد الجليل، (570-646هـ) . ينظر: وفيات3: 248-250. مرآة الجنان3: 114. الكشف2: 1370، 1853.