بالنفس وبالناس، وذلك كمن يرى المنكرات مثلًا فيهييج وينفعل ويغير المنكر بطريقة غير مشروعة، بل فيها إعتداء وتسرع ربما يؤدي إلى مضاعفة المنكر، وربما يكون سببًا في إغلاق باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وربما يترتب عليه أذى المؤمنين. وكمن يكون شديد الحساسية ضد المنكرات فإذا رآها تأثر تأثرًا شديدًا وتعكر مزاجه، وتكدرت حياته فلم يهنأ بعيش ولا بعبادة وشعر بالغربة، دون أن يضع شيئًا لضعفه وعجزه، وكمن يعرف من نفسه الضعف والميل إلى الفواحش فإذا جاورها وخالط أهلها حفاظًا لما هو أهم مما سيفقده حال الإعتزال، فمثل هؤلاء قد تشرع في حقهم العزلة كفًا لشرهم عن الناس، أو حفظًا لهم عن شرور الناس، ولذلك جاءت الأحاديث: (مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) (65) .
ومن الظاهر أن المرء إذا كان لا يستطيع نفع المسلمين بعلم ولا جهاد ولا أمر ولا نهي ولا غير ذلك، ولا يستطيع كف شره عنهم، إذا خالطهم، أو لا يستطيع التوقي من شرهم في أمور دينه ودنياه في حقه أولى. وقد تكون هذه الأحاديث خاص في زمان الفتن التي أخبر عنها النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وأمر بالعزلة فيها فتحمل هذه الأحاديث المطلقة على الأحاديث المقيدة.
5)كما أن هناك عزلة للداعي وأنه لا يستغني عنها نزولًا عند حكم الضرورة كالتفرغ للعبادة وقضاء الحوائج وكذلك هناك ضوابط للخلطة فيجب أن تكون حسب الضوابط النافعة التي ذكرها العلماء في هذا المجال وهي ما ذكرناها في البحث.