3)هناك مذهبان للعلماء في هذه المسألة وتفضيل إحداهما على الأخرى فمذهب الجمهور تفضيل المخالطة على الاعتزال والاتجاه الآخر تفضيل العزلة على المخالطة، وذلك يختلف باختلاف الحال والأشخاص فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه سواء. قال الغزالي رحمه الله: (إذا عرفنا فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله والى الخليط وحاله والى الباعث على مخالطته والى الفائت بسبب مخالطته من هذه الفوائد المذكورة، ويقاس الفائت بالحاصل فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل) (63) .
4)فالإسلام دين الجماعة ولذلك جاء الشرع بالأمر بالجماعة في الصلوات والفرائض حتى العيدين والكسوف، إما فرضًا على الأعيان أو على الكفاية، كذلك جاء الشرع بالأمر بالتعاون وتنظيم العلاقات الأجتماعية وبيان الحقوق والواجبات للفرد والجماعة وأمر النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بعيادة المريض وإتباع الجنائز وذلك لا يتحقق بالعزلة إنما بالمخالطة.
وجاء الشرع بإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرد على أهل البدع والضلال وجهاد الكفار، وكذلك جاء الشرع بالأمر بحسن الخلق واللين والملاطفة والتودد، والتحذير من البذاءة والجفاء، والحسد والحقد والتباغض والتدابر وغير ذلك من الأخلاق الذميمة والرديئة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يدري مقدار تحققه بالأخلاق الفاضلة أو مقدار تخلصه من الأخلاق المذمومة إلا بمخالطة الناس ومعاشرتهم في الشؤون المختلفة.
فالإسلام دين الجماعة الإلهية وخطاباتها موجهة إلى (الذين آمنوا) وفيها الحث لهم على الإعتصام بحبل الله وإقامة بنيان الأخوة الإسلامية بين المؤمنين وبيان فضلها والوعد بعظيم الأجر للمتحابين في الله والمتزاورين فيه لذلك جاء الشرع الحنيف بالحث على الأخلاق الفاضلة والتحذير عن الأسباب التي تورث الضغينة والبغضاء بين المؤمنين، فإن الأصل في العزلة الكلية هو المنع حيث يترتب عليها تضييع الحقوق وتفويت الفرائض وتعطيل كثير من الواجبات كالتعلم والتعليم وقطع صلة الأرحام مع التعرض لكيد الشيطان ووسوسته ومكره فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، ففي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد أستحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية) (64) . فالأمر بالجماعة والتعليل بأن الشيطان يأكل القاصية يدل على منع العزلة المطلقة.
وأما الأحاديث التي وردت في مدح العزلة وبيان فضل المؤمن المتعبد في شعب من الشعاب هذا يكون في حق أفراد لا يستطيعون الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو خالطوا لتضرروا بالمخالطة، وأضروا بغيرهم، إذ من الناس من لا يستطيع منع أذاه وشره عن الآخرين إلاّ باعتزالهم، فإذا خالطهم وجد المثيرات التي تحركه إلى الشر والإضرار