الصفحة 15 من 20

العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وانه ليسير على من يسره الله عليه فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى ويديم اللجأ إليه، ويلقى نفسه على بابه طريحا ذليلا ولا يعين على هذا إلاّ محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان (58) .

ويتحقق وجوب العزلة في مفارقة الكفرة والتحول عنهم إلى غيرهم إذا بدا له إن بذل الجهد معهم عبث أو لا يجدي أو أن احتمال إجابتهم في الوقت الحاضر احتمال ضعيف أو أن أذاهم لا يطاق فيتحول عنهم إلى غيرهم ويوجه جهده إليهم فيدعوهم إلى الله تعالى لان جهد الداعي محدود ووقته محدود فإذا لم يجد الإجابة عند قوم تحول إلى غيرهم واعتزل الأولين بل وله أن يعتزل الجميع إلى حين (59) وقد يستأنس لهذا بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا} (60) وبقوله تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام {وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} (61) وقوله تعالى عن أهل الكهف: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} والله سبحانه وتعالى أعلم.

نتائج البحث

بعد أن انتهينا من كتابة هذا البحث يمكننا الإشارة إلى بعض النتائج التي توصلنا إليها منها:

1)إن للعزلة فوائد كما أن للمخالطة فوائد فلا يستطيع أي إنسان أن يجزم القول بأن العزلة أفضل أو المخالطة أفضل على الإطلاق. فمن فوائد العزلة التفرغ للعبادة والتخلص من المعاصي ومن الفتن ومن شر الناس وانقطاع طمع الناس.

كما أن للمخالطة فوائد مثل التعلم والتعليم والتأديب والتأدب ونيل الثواب وإنالته ومنها التواضع والتجارب مع الخلق وبالعزلة لا تحصل هذه الفوائد.

والأصل في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة تفضيل المخالطة فالمسلم الذي يستطيع أن يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويوصل إليهم النفع الديني والدنيوي هو خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم بل يعتزل شرورهم ويتفرد بنفسه وترجيح الخلطة هذه في الأحوال الطبيعية هو مذهب جماهير السلف والعلماء.

2)والعزلة إنما تنفع العلماء العقلاء وهي أضر شيء على الجهال لذلك قال العلماء رحمهم الله: (تفقه ثم أعتزل) فمن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر مضيع أوقاته بنوم أو فكر في هوس. فالعلم هو أصل الدين. قال النووي رحمه الله: (ومن قال بتفضيل الإعتزال على الإختلاط قد يتأول هذا على الإعتزال وقت الفتنة ونحوها) (62) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت