الأوقات والقيام فيها بعبادة الله بالصلاة والذكر والدعاء نوعا ممتازا من العزلة والخلوة المشروعة، وهي على قصرها ذات اثر بليغ جدا.
الثاني: إذا احتاج الداعي إلى عزلة أكثر مما ورد في النوع الأول، كأن يخلو في بيته أياما لما يحسه من حاجة إلى هذه الخلوة للراحة والاستجمام ومراجعة الحساب مع نفسه، وتدارك ما فاته فلا باس في ذلك بشرط أن يكون قصده من ذلك إعداد نفسه وتهيئتها إلى المزيد من الدعوة إلى الله، فيكون مثله في هذا الحالة مثل المجاهد الذي يتحول عن ميدان القتال ليشحذ سيفه أو يعلف فرسه أو يصلح رمحه أو يداوي جرحه وقلبه معلق بالجهاد ونيته الرجوع إليه من قريب فهو في جهاد في الحالتين والأعمال بالنيات والله المستعان (56) .
المطلب الخامس: العزلة الروحية (القلبية)
والعزلة القلبية التي يقصد بها أن المؤمن الملتزم بالنهج الصحيح وإن خالط الناس وعاشرهم ببدنه فإنه مفارق لهم بعلمه وقلبه وما هم عليه من التعلق بالدنيا وإتباع الهوى ساع لنقلهم عما هم فيه إلى حيث السلامة والأمان.
فهو يخالط الناس لغاية واضحة، وهي العمل على إنتشالهم من الضلال إلى الهدى، ومن البدعة إلى السنة وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولا يستطيع أن يؤدي ذلك بصورة صحيحة مؤثرة إلا من داخل الناس وعاشرهم، وعرف أحوالهم وأحسن إليهم بلسانه ويده - ما أستطاع إليه سبيلا - وهذه المخالطة المقصودة تجعل في قلب المخالط شعورًا متميزًا من التأثر بأعمال الناس وأهوائهم وإنحرافاتهم إلى حد بعيد، وبذلك يتمكن من إكتساب الخصائص الخيرة الجميلة التي قد تنقصه، ومن الإنتفاع بالتجارب التي تزكي العقل الغريزي وأبعادها، ليقوم - بعد - بمدافعتها وعلاجها بالأسلوب الأمثل، دون أن يؤدي به إلى الذوبان في المجتمع المحيط به، أو التخلي عن علمه ونيته ودعوته. وبذلك يجمع بين الخلطة والعزلة، الخلطة بجسده ومداخله ومخرجه، والعزلة في قلبه وعلمه ومشاعره، فهذا النوع من المخالطة الهادفة المقصودة مطلوب، وهذا النوع من العزلة والبراءة القلبية العلمية مطلوب (57) . وهذا النوع من العزلة هي عبارة عن غياب فكره عن الحاضرين مع بقاء جسمه معهم وهذه العزلة يحتاجها كلما وجد نفسه مضطرا بين قوم سوء ومجلس غيبه وكلام باطل لا يستطيع الخروج منه، ولا تحويل مجراه الخبيث، فيغيب عنه بروحه ويبقى جسده معهم.
قال ابن القيم: فان أعجزته المقادير عن ذلك، فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضرا غائبا، قريبا بعيدا، نائما يقظانا ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملا الأعلى، يسبح حول