فلا يمكن التخلي عنها. بل هذا الوجوب أصبح أشد في زماننا من أي زمان مضى، لما غشي البشر من غاشية رهيبة قاسية من المادية الصماء السوداء التي حجبت عنهم أنوار الحق وقطعت صلاتهم بالله عز وجل، مما جعل لزاما على كل مسلم أن يسهم في الدعوة إلى الله بقدر طاقته وبأي نوع من أنواع القدرة يستطيعه وهذا يستلزم مخالطة الناس ليدعوهم
إلى الله، وحدود المخالطة الواجبة هي ما كانت ضرورية لأعمال الدعوة إلى الله تعالى أو أداء فروض الإسلام الأخرى، فإذا خلت من هذا المقصود، زالت عنها صفة الوجوب وصارت مباحة أو مكروهة أو حراما، فالمباحة كالمخالطة لغرض تحصيل مباح دينوي والمكروهة إذا فوتت على الداعي فائدة أخروية إذا حملته إثما. وعلى هذا فان المأمول من الداعي أن تكون مخالطته كلها بدافع من الدعوة إلى الله، فإذا زار شخصا أو تعارف معه أو صادقه أو رافقه أو آخاه أو غشي مجلسا أو تكلم في جمع فانه يصدر عن رغبة في الدعوة إلى الله أو بالإعداد والتهيئة لها (51) .
المطلب الرابع: حكم اعتزال الداعي
إذا كانت المخالطة من مقدمات الدعوة إلى الله تعالى، وان الداعي لا يستغني عنها كما قلنا فانه مع ذلك يحتاج إلى شي من العزلة والوحدة والانفراد بنفسه لأنه للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه.
واعتزال القوم والاختفاء عنهم دليل ذلك فتية أهل الكهف وفيهم قال الله تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} (52) . وقال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} (53) . قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء وقد فضل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) العزلة، وفضلها جماعة من العلماء ولاسيما عند ظهور الفتن وفساد الناس (54) ، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} (55) .
وإذا جاز هذا النوع من الاعتزال جاز ما دونه كالهجر وعدم المخالطة والتوقف عن نشر الدعوة إلى حين نزولا عند حكم الضرورة وفي هذه الحالة ينبغي للداعي أن ينشغل بنفسه ويقبل على عبادة ربه ويتأمل في أمور الدعوة والإفتكار فيها، إلى أن يزول مادعاه إلى الاعتزال. قال الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان ويلاحظ في هذه العزلة شيئان:
الأول: أن تكون في الأوقات التي ندب الشرع فيه إلى نوع معين من العبادة كالاعتكاف في رمضان وقيام الليل والصلاة فيه والجلوس في المساجد انتظارا للصلاة، فان في هذه