قال الشيخ خالد السبت: الفتن التي يمكن معرفة الحق فيها وإن أشكلت على بعض الناس فيقال فيها: إن من أشكلت عليه الأمور تعينت عليه العزلة، وعليه يحمل إعتزال من ذكر من الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم.
أما من أمكنه معرفة الحق ولم يتمكن من العمل به، أو أدت مخالطته للناس إلى تكثير سواد أهل الفتنة أو حملهم على المشاركة فيلزمه أن يعتزل أيضًا.
ومن عرف الحق ولم يخش تفويت العمل به ولا حملهم إياه في فتنتهم ولا إعانتهم عليها، ولم يكثر لهم سوادًا لكنه لو أمر ونهى لم يكن ذلك مؤثرًا في حالهم ولا مغيرًا لها فالأفضل في حقه العزلة وقد يكون هذه الحال أيضا من أسباب اعتزال بعض الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم (48) .
ومن العلماء المعاصرين قال الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان: والصواب أن يقال: الأفضل للمسلم أحبهما إلى الله تعالى، فإذا كانت المخالطة أحب إلى الله بالنسبة لهذا المسلم نظرًا لظروف حاله ومكانه وزمانه، فهي أفضل في حقه، وإذا كانت العزلة بالنسبة إليه أحب إلى الله لظروف حاله وزمانه ومكانه العزلة أفضل في حقه، والمخالطة لا بد منها فان الإنسان اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش بمفرده ولو استطاعه لكان أمرا شاذا لا يستطيع جميع الناس متابعته عليه. هذا في أمور الدنيا وحوائجها أما بالنسبة لأمور الدين فكذلك الحال فان من فرائض الإسلام ومستحباته ما لا يمكن تأديته إلاّ بالمخالطة مع الناس وتعاونهم، مثل صلاة الجمعة والعيدين، وتشييع الجنائز وعيادة المرضى وتعلم أمور الدين وتعليمها إلى غير ذلك من المطلوبات التي تستلزم المخالطة (49) ، وكما ذكرنا ذلك في فوائد المخالطة والضابط النافع في ذلك. من كلام الغزالي وابن القيم رحمهما الله تعالى (50) .
المطلب الثالث: حكم مخالطة الداعي:
الدعوة إلى الله من وجائب الإسلام ومن وسائلها مخالطة الناس فتكون المخالطة واجبة لأن ما لا يؤدى الواجب إلاّ به فهو واجب، والواقع أن طبيعة الإسلام تقتضي المخالطة، فالإسلام ليس معنى خاصا بالفرد بل هو أيضا عمل المسلم خارج نفسه، ورسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) منذ أن أكرمه الله بالنبوة وأمره بالتبليغ عاش مع الناس وخالطهم وغشي مجالسهم يدعوهم إلى الله ويحذرهم مما هم فيه وكذلك فعل أصحابه الكرام خالطوا الناس وبثوا فيهم ما تعلموه من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) من الهدى والعلم والدين.
وما روي عن بعض التابعين من استحباب العزلة وكراهية المخالطة فهو أمر يتعلق بأحوال طارئة وظروف استثنائية فليس ما ذكروه هو القاعدة التي يستهدي بها المسلمون من بعدهم لان وجوب الدعوة إلى الله أمر ثابت في الشرع، والمخالطة هي المقدمة إلى الدعوة.