الصفحة 11 من 20

قال أبن حجر العسقلاني: والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقال النووي: فان أشكل عليه الأمر فالعزلة أولى، ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: (خذوا حظكم من العزلة) (43) .

المطلب الثاني: أقوال العلماء في المخالطة أفضل أم الاعتزال

بعد أن ذكرنا المذهبين اللذين يفضل كل منهما المخالطة أو الاعتزال نذكر الآن آراء العلماء المحققين في هذه المسألة:

قال الشاطبي رحمه الله: فإذا كانت العزلة مؤدية إلى السلامة فهي الأولى في أزمنة الفتن، والفتن لا تختص بفتن الحروب فقط فهي جارية في الجاه والمال وغيرهما من مكتسبات الدنيا، وضابطها ما صد عن طاعة الله، ومثل هذا يجري بين المندوب والمكروه، وبين المكروهين كراهة تحريمية وكراهة تنزيهية، وإن كانت العزلة مؤدية إلى ترك الجمعات والجماعات والتعاون على الطاعات وأشباه ذلك فإنها موقعة في المحرم من جهة، وأيضًا سلامة من جهة أخرى، ويقع التوازن بين المأمورات والمنهيات (44) .

وذكر العلامة أبن القيم: الضابط النافع في أمر المخالطة فقال: أن يخالط الناس في الخير - كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم والجهاد والنصيحة. ويعتزلهم في الشر فضول المباحات، فان دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه إعتزالهم: فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لابد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر، ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم، وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين وموافقهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت وذم منهم ومن المؤمنين، ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مالا، وان دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه (45) .

وقد فصل القول في هذه المسألة الحافظ إبن حجر فقال: ويختلف باختلاف الحال باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف بإختلاف الأحوال، فإن تعارضا أختلف بإختلاف الأوقات فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عينًا وإما كفاية بحسب الحال والإمكان. ومن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم على نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وممن يستوي: من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم مَن ليس من أهلها (46) . كما قال تعالى: (وأتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت