المبحث الخامس: الحكم الشرعي للعزلة
وفيه خمسة مطالب
بعد أن تطرقنا إلى بيان فوائد العزلة وفوائد المخالطة نشرع الآن في بيان اتجاه الفقهاء لمسألتي العزلة والمخالطة وبيان الحكم الشرعي لهما.
المطلب الأول: آراء الفقهاء في العزلة
المذهب الأول: مذهب الجمهور الذين قالوا بتفضيل المخالطة على العزلة، وممن ذهب إلى هذا من الفقهاء سعيد بن المسيب والشعبي وابن أبي ليلى وهشام بن عروة وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله وابن عيينة وابن المبارك وجماعة (32) وقال النووي: فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الإختلاط أفضل بشرط السلامة من الفتن (33) .
فقالوا أن الاختلاط أولى لما فيه من إكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك (34) وقال النووي: المختار تفضيل المخالطة (35) .
وقال الشيخ عثمان خالد السبت: إن كان لا يخشى من المخالطة وقوع محذور وبقاؤه ينفع الناس فهذا يتعين عليه البقاء وترك العزلة وقد دل على ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم(36 ) ) (37) .
المذهب الثاني: ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى تفضيل العزلة على المخالطة وممن ذهب إلى هذا من الصحابة سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وسلمة بن الأكوع وأسامة بن زيد وعروة بن الزبير من التابعين (38) . وبه قال سفيان الثوري وإبراهيم أبن أدهم وداود الطائي وفضيل بن عياض وسليمان الخواص وحذيفة المرعشي وبشر الحافي (39) .
فقالوا: العزلة أولى لتحقق السلامة بشروط معرفة ما يتعين (40) ، وقال ابن حجر: والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة لما في ذلك من شغل البال وتضييع الوقت عن المهمات ويجعل الاجتماع بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء فيقتصر على ما لا بد منه فهو أروح للبدن والقلب والله أعلم، وأن يعتقد سلامة الناس من شره لا العكس، فان الأول نتيجة استصغاره نفسه وهي صفة المتواضع، والثاني شهوده مزية له على غيره وهذه صفة المتكبر (41) ، وقد استدلوا بحديث أبي سعيد أنه سمع يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) (42) .