الصفحة 9 من 20

وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا، وقضاء وطر (حاجة) بعضهم من بعض - تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، ويعضُّ المخلط عليها يديه ندما، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي} (28) . وقال تعالى: {الأخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (29) . وهذا شأن كل مشتركَينِ في غرض، يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله فإذا انقطع ذلك الغرض، أعقب ندامة وحزنا وألما، وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة، وذما من بعضهم لبعض، لما انقلب ذلك الغرض حُزنا وعذابا كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزية، إذا اخذوا وعوقبوا متساعدين على باطل، متوادين عليه: لابد أن تنقلب مودتهما بغضا وعداوة (30) .

المطلب الثاني: الضابط النافع في أمر المخالطة

ذكر أبن القيم (رحمه الله) الضابط في أمر الخلطة وأوقاتها فقال: أن يخالط الناس في الخير - كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم والجهاد والنصيحة. ويعتزلهم في الشر فضول المباحات، فان دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه إعتزالهم: فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لابد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر، ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم، وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين وموافقهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت وذم منهم ومن المؤمنين، ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مالا، وان دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه، ويشجع نفسه ويقوى قلبه، ولا يلتفت الى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك، بان هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك ونحو ذلك فليحاربه، وليستعن بالله، ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه.

فان أعجزته المقادير عن ذلك، فلْيَسُلَّ قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضرا غائبا، قريبا بعيدا، نائما يقظانا، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه قد اخذ قلبه من بينهم، ورقى به إلى الملأ الأعلى، يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى، ويديم اللجأ إليه، ويلقى نفسه على بابه طريحا ذليلا، ولا يعين على هذا إلاّ محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان وتجنب المفسدات الأربع الباقية وهي (التمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام) . ولا ينال هذا إلاّ بعدة صالحة ومادة قوة من الله عز وجل، وعزيمة صادقة، وفراغ من التعلق بغير الله تعالى، والله اعلم (31) أ. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت