الصفحة 8 من 20

أوقات النهار ربما يكون أفضل من العزلة في حق بعض الأشخاص فليتفقد فيه أحوال القلب وأحوال الجليس أولا ثم ليجالس.

خامسًا: في نيل الثواب وإنالته أما النيل فبحضور الجنائز وعيادة المريض وحضور العيدين وأما حضور الجمعة فلا بد منه. وحضور الجماعة في سائر الصلوات أيضا لا رخصة في تركه إلاّ الخوف ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد عليه، وذلك لا يتفق إلاّ نادرا وكذلك في حضور الدعوات ثواب من حيث انه إدخال سرور على قلب مسلم.

وأما إنالته فهو أن يفتح الباب لتعوده الناس أو ليعزوه في المصائب أو يهنوه على النعم فإنهم ينالون بذلك ثوابا، وكذلك إذا كان من العلماء وأذن لهم في الزيارة نالوا ثواب الزيارة. من المخالطة التواضع، فانه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة، وقد يكون الكبر سببا في اختيار العزلة. فكم من معتزل في بيته وباعثه الكبر ومانعه عن المحافل أن لا يوقر أو لا يقدم، أو يرى الترفع عن مخالطتهم ارفع لمحله واتقى لطراوة ذكره بين الناس (26) .

سادسًا: التجارب مع الخلق ومعرفة مجارى أحوالهم فإنها يستفاد من المخالطة للخلق ومجارى أحوالهم. والعقل الغريزي ليس كافيا في تفهم مصالح الدين والدنيا وإنما تفيدها التجربة والممارسة، ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب فالصبي إذا اعتزل بقى غمرا جاهلا بل ينبغي أن يشتغل بالتعلم ويحصل له في مدة التعلم ما يحتاج إليه من التجارب ويكفيه ذلك، ويحصل بقية التجارب بسماع الأحوال ولا يحتاج إلى المخالطة. ومن أهم التجارب أن يجرب نفسه وأخلاقه وصفات باطنه وذلك لا يقدر عليه في الخلوة (27) .

المبحث الرابع: وفيه مطلبان

المطلب الأول: الآثار السيئة للخلطة

لقد ذكر العلامة ابن القيم (رحمه الله) أن أسباب فساد القلب خمسة ومن ذلك (كثرة الخلطة وحبها) فقال:

فأما ما تؤثره كثرة الخلطة، فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يَسودَّ، ويوجب له تشتتا وتفرقا، وهما وغما وصعقا، وحملا لما يعجز عن حمله مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتَقُسّم فكره في أودية مطالبهم وارداتهم، فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة.

هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت من بلية؟ وهل آفة الناس إلاّ الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت