فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران. ولهذا قال النخاعي وغيره: (تفقه ثم اعتزل) فمن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر مضيع أوقاته بنوم أو فكر في هوس. فالعلم هو أصل الدين فلا خير في عزلة العوام والجهال، أعني من لا يحسن العبادة في الخلوة ولا يعرف جميع ما يلزم فيها. فمثال النفس مثال مريض يحتاج إلى طبيب متلطف يعالجه فالمريض الجاهل إذا خلا بنفسه عن الطبيب قبل أن يتعلم الطب تضاعف لا محالة مرضه. فلا تليق العزلة إلاّ بالعالم، وأما التعليم ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية المعلم والمتعلم. ومهما كان القصد إقامة الجاه والإستكثار بالأصحاب والأتباع فهو هلاك الدين.
ثانيًا: النفع والانتفاع أما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة، وذلك لا يتأتى إلاّ بالمخالطة والمحتاج إليه مضطر إلى ترك العزلة فيقع في جهاد من المخالطة إن طلب موافقة الشرع فيه. فان كان معه مال لو اكتفى به قانعا لأقنعه فالعزلة أفضل له إذا انسدت طرق المكاسب في الأكثر إلاّ من المعاصي، إلاّ أن يكون غرضه الكسب للصدقة. فإذا اكتسب من وجهه وتصدق به فهو أفضل من العزلة للاشتغال بالنافلة. وأما النفع فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ببدنه فيقوم بحاجاتهم في سبيل الله. ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب وذلك لا ينال إلاّ بالمخالطة. ومن قدر عليها مع القيام بحدود الشرع فهي أفضل له من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلاّ بنوافل الصلوات والأعمال البدنية (24) .
ثالثًا: التأديب والتأدب ونعنى به الإرتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمل أذاهم كسرًا للنفس وقهرا للشهوات. وهي من الفوائد التي تستفاد بالمخالطة، وهي أفضل من العزلة في حق من لم تتهذب أخلاقه ولم تذعن لحدود الشرع شهواته، وكان هذا هو المبدأ كسرا لرعونة النفس، وأما التأديب فإنما تعنى به أن يروض غيره فانه لا يقدر على تهذيبهم إلاّ بمخالطتهم.
رابعًا: الاستئناس والإيناس وقد يستحب ذلك الأمر الدين وذلك فيمن تستأنس بمشاهدة أحواله وأقواله في الدين كالأنس بالملازمين لسمت التقوى. وقد يتعلق بحظ النفس ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب لتهييج دواعي النشاط في العبادة، فان القلوب إذا أكرهت عميت ومهما كان في الوحدة وحشة وفي المجالسة انس يروح القلب فهى أولى فلا يستغني المعتزل إذًا عن رفيق يستأنس بمشاهدته ومحادثته في اليوم والليلة ساعة فليجتهد في طلب من لا يفسد عليه في ساعته تلك سائر ساعاته فقد قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) (25) . فهذا النوع من الاستئناس في بعض