الصفحة 6 من 20

لم تأت به الشريعة، ولا تقبله العقول السليمة، ويتجنبون ما يوجد لديهم من شر ويحفظون أنفسهم من السمة الغالبة على أهل عصرهم وسمة طاعة الشح والإعجاب بالرأي وإتباع الهوى، إذ أنهم يحكمون الشرع الذي بيّن لهم المعروف ليأخذوه والمنكر ليدعوه ويسلمون من البدع والآراء والأهواء التي هي سبب الإختلاف والتفرق، الذي هو سمة العصر كما في الحديث صفتهم: (وأختلفوا فصاروا هكذا، وشبّك بين أصابعه .... ) فالمعتصمون بالسنة ناجون من الإختلاف وأسبابه، وما أصابهم من إختلاف أو تفرق فبسبب نقص الإتباع.

والأمر الثاني: فيه بيان الموقف من الخاصة والعامة ويرى الإمام الخطابي أن المقصود بالخاصة في هذا الحديث ما يخص الإنسان ويعنيه في ذاته، من إعالة أهله، وسياسة ذويه، والقيام لهم، والسعي في مصالحهم، ويعتبر هذا التوجيه متعلقًا بالمصالح الدنيوية. أما ترك العامة - عنده - فهو ترك التعرض لأمرهم، والتعاطي لسياستهم والترأس عليهم، والتوسط في امورهم (21) . روى أبو سعيد الخدري انه (- صلى الله عليه وسلم -) قال: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) (22) فإذن الحذر من الخصومات، ومثارات الفتن إحدى فوائد العزلة.

رابعًا: انقطاع طمع الناس عنك وانقطاع طمعك عن الناس فأما إنقطاع طمع الناس عنك ففيه فوائد. فان رضا الناس غاية لا تدرك فاشتغال المرء بإصلاح نفسه أولى ومن أهون الحقوق وأيسرها وحضور الجنازة وعيادة المريض وحضور الولائم وفيها تضييع الأوقات وتعرض للآفات، وأما انقطاع طمعك عنهم فهو أيضا فائدة جزيلة، فان من نظر إلى زهرة الدنيا وزينتها تحرك حرصه وانبعث بقوة الحرص طمعه ولا يرى إلاّ الخيبة في أكثر الأحوال فيتأذى بذلك (23) .

المبحث الثالث: المخالطة وفوائدها

تمت الإشارة في الفصل السابق إلى فوائد العزلة والآن أشرع في بيان المخالطة وآثارها فقد ذكر الغزالي رحمه الله هذه الفوائد فقال: اعلم أن المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد بالاستعانة بالآخرين ولا يحصل ذلك إلاّ بالمخالطة. فكل ما يستفاد من المخالطة يفوت بالعزلة، وفواته من آفات العزلة. فانظر إلى فوائد المخالطة والدواعي إليها، وهي ست نذكرها بإيجاز:

أولًا: التعليم والتعلم وهما أعظم العبادات في الدنيا ولا يتصور ذلك إلاّ بالمخالطة إلاّ أن العلوم كثيرة ومن بعضها مندوبة، وبعضها ضروري في الدنيا. فالمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه عاص بالعزلة. وان تعلم الفرض وكان لا يتأتى منه الخوض في العلوم رأى الاشتغال بالعبادة فليعتزل. وان كان يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت