فهرس الكتاب
يتعلق أهل البدع ببعض الآثار الضعيفة والأقوال الشاذة عن بعض الأئمة في التوسل والاستشفاع عند القبور، وكل ما يعتقدونه مخالف لجمهور الصحابة والتابعين وغيرهم من العلماء الراسخين، فإنه من المعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه كان يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه أو يستشفع به أو يتوسل به، ولو كان أمرًا مشروعًا لكانوا هم أسبق الناس قبل غيرهم إلى فعله، ولذكره أئمة المسلمين عنهم؛ لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
بطلان ما روي من الأمر باستقبال القبر والاستشفاع به:
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ثم قال في الحكاية:"استقبله واستشفع به فيشفعك الله". والاستشفاع به معناه في اللغة؛ أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به.
ومنه الحديث الذي في السنن أن أعرابيًا قال: يا رسول الله! جهدت الأنفس وجاع العيال، وهلك المال، فادْعُ الله لنا فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله. فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال:"ويحك أتدري ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه". [1]
وذكر تمام الحديث فأنكر قوله:"نستشفع بالله عليك". ومعلوم أنه لا ينكر أن يُسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله، وإنما أن يكون الله شافعًا إلى المخلوق، ولهذا لم ينكر قوله:"نستشفع بك على الله"؛ فإنه هو الشافع المشفع.
وهم لو كانت الحكاية صحيحة إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته صلى الله عليه وسلّم ولهذا قال في تمام الحكاية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ} (سورة النساء/64) ، وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه الشافعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم، واستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم.
(1) أخرجه أبو داود في سننه: ح (4726) , كتاب السنة , باب في الجهمية, 5/ 94.