الصفحة 4 من 27

وهذه القضية قضيةٌ فقهية صالحة للبحث في كل زمان وخصوصًا في هذا الزمان الذي شهد تقدمًا في كل العلوم وفي الميادين شتى، فشهد تقدمًا في الطب وعلوم الكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم، وكثرت الحقول العلمية في هذه العلوم، وبرز حقل من بين حقول العلوم الطبية يتعلق بنسل الإنسان وتحديده أو تنظيمه بغض النظر عما هو جائز فيه شرعًا أو غير جائز، وفتح هذا الحقل بابه على مصراعيه يستقبل وفوده وزواره، فازدحم هذا الباب بالنساء يطالبن بتقديم الوسائل العملية لتحديد النسل أو تنظيمه، وكان الجواب سريعًا فقد استقبل طلبهم بالترحاب والتأييد من قبل الكثيرين، فحشد الباحثون في هذا المجال كل الوسائل، وجعلوا لها عنوانًا بارزًا ألا وهو (وسائل تحديد النسل أو موانع الحمل) ولا مشاحة في العنوان فالمضمون واحد، ومن هذه الوسائل الإجهاض.

وقد يظن البعض أن عملية الإجهاض في منأى عن علم التربية وتقويم السلوك، وأنها لا تتعدى سوى كونها مسألة شرعية قانونية طبية، وهذا خطأ كبير، لأن ظاهرة الإجهاض ظاهرة تربوية سلبية يترتب عليها تمزق نسيج المجتمع وتصدع بنيان الأمة، فانتشارها بين المجتمع يفتح أبوابًا واسعة للقضاء على النوع البشري، فعلى صعيد الأسرة ـ إن أطلقنا العنان بجواز هذه الظاهرة ـ كم سيكون عدد أفرادها عند شيوع هذه الظاهرة؟ لا شك والحالة هذه أن عددها سينخفض ويقل بشكل ملحوظ، وهذا سيؤدي إلى فسح المجال لإبادة جماعية تجري تحت مظلة الحرية الفردية المشوهة، وستتلاشى الأمة يومًا بعد يوم وهذا بحد ذاته خطر عظيم بدأ بشرر صغير سيحرق المجتمع بل الأمة بأسرها فتفنى وتبيد، وأما على صعيد الإباحية وغير المشروعية والحمل عن طريق السفاح، فهذا سيهيأ نتيجة مضمونة، وملاذًا آمنًا إلى اللواتي انسلخن عن العفة وبعن أعز ما تملك المرأة، وتاجرن ببضاعة كاسدة فاسدة، ليس لها ثمرة سوى الندم والخسران المبين، وسيكون مجتمعنا صورة طبق الأصل للمجتمع الغربي المتحلل والذي بلغت فيه نسب الإجهاض رقمًا خياليًا، والأرقام التي تخرج للعالم عن التعداد السكاني لهذه الدول هي أرقام ليست حقيقية تدل على أفراد أبناء تلك البلاد لأن من يأتيها كل عام من الوافدين الذين يحصلون على الجنسية الخاصة بتلك البلاد هم ممن يدرج في تلك الإحصاءات.

ولأجل هذه الأسباب خرجت عن سنن الباحثين في اختيار موضوعات كلية تتحدث عن الموضوع بشمولية، وفضلت الحديث عن هذه الجزئية، توسيعًا لرقعة مفهومها وإيضاحًا للمخاطر التي تشتمل عليها هذه الظاهرة السلبية، متأملًا أن أقدم للمجتمع دراسة واقعية منبثقة من حكم الشريعة الإسلامية ومقرونة بالفطرة البشرية التي جبل عليها الإنسان في سلوك سبل الخير والابتعاد عن مواطن الشر ومكامنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت