فهرس الكتاب
اعتاد الشعراء أصحاب المطولات أن يبدءوا قصائدهم بالغزل أو ذكر الأطلال، أو ديار الحبيب، وأصبحت هذه عادة مألوفة فما وجدنا شاعرًا عربيًا قديما حاد عنها، إلا أننا حينما نقرأ للشاعر عبد الرحمن بارود نجد أنه خالف هذه العادة كل المخالفة، وكما ذكرنا سابقًا أن البُعد الإيماني عند الشاعر يجعله يسلك طريقًا مختلفًا، خاصًا به دون غيره.
سأُمثل الآن لبعض مطالع قصائده حتى نستطيع أن نحلل ذلك.
فمثلًا قصيدة"مكة"يقول في مطلعها [1] :
أي هذي الأسراب فوق الغدير ... حوّمي في مرابع البلور
ظللي معبد القرون وعودي ... وخذي للقلوب بعض النمير
وانتظري للثرى الطهور وقولي ... بورك النور يا رحاب النور
نجد الروح الإيمانية طاغية على مشاعر الشاعر وهو يطوف مع الطائفين حول البيت، مستذكرًا المجد والطهر، والنور الذي يمثله هذا المكان.
وفي قصيدته"فلسطين"والتي يقول في مطلعها: [2]
غننا .. فالدجى شديد السواد ... و قطيع الرقيق من غير حاد
غننا .. في العيون شوك وفي الآذان ... شوك .. و الشوك في الأكباد
غننا .. خبزنا السكاكين .. والكأس ... دم .. والرقاب في الأصفاد
مطلع وصفي مؤلم، لا يتحدث عن المحبوبة المعشوقة، إنما يتحدث عن المستقبل المظلم والمعوقات والموانع وعن القيود.
وهكذا تميز الشاعر في مطالع قصائده، كما تميز في مطولاته.
الفرع الثالث: الوزن والقافية:
مما يلاحظه الدارس لشعر عبد الرحمن بارود أنه لم يميز نفسه ببحر من البحور أو جملة معينة منها، وإنما نظم شعره في معظم بحور الشعر العربي، مثل البحور ذات التفعيلات المزدوجة أو المفردة المتكررة، مثل الطويل والمديد والبسيط والخفيف، وبحر الرمل، والكامل وغيرها.
فمثلًا البحر الطويل صاغ على وزنه قصيدته"صريع الهوى"، التي يقول في مطلعها [3] :
صريع الهوى، غرّتك، وهي غرور ... وعمرك طير من يديك يطير
(1) الأعمال الكاملة: عبد الرحمن بارود، ص88.
(2) المصدر السابق: ص128.
(3) المصدر السابق: ص119.