فإن الله تعالى أنزلها بسبب أنه كان بالمدينة النبوية من أهل الذمة من كان له عز وسَعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أقوام من المسلمين عندهم ضعف يقين وإيمان، وفيهم منافقون يُظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، مثل عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وأمثاله، وكانوا يخافون أن تكون للكفار دولةٌ، فكانوا يوالونهم، ويباطنونهم {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي نفاقٌ وضعف إيمان، {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} ، أي في معاونتهم. {يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} ، فقال الله تعالى: {فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا} ، أي هؤلاء المنافقين الذين يوالون أهل الذمة {عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} .
فقد عرف أهل الخبرة أن أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمنافقين يكاتبون أهل دينهم بأخبار المسلمين، وبما يطلعون على ذلك من أسرارهم حتى أُخذ جماعة من المسلمين في بلاد التتر، وسيس وغير ذلك بمطالعة أهل الذمة لأهل دينهم. ومن الأبيات المشهورة قول بعضهم:
كل العداوات قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين
ولهذا وغيره مُنعوا أن يكونوا على ولاية المسلمين, أو على مصلحة من يقويهم, أو يفضل عليهم في الخبرة والأمانة من المسلمين, بل استعمال من هو دونهم في الكفاية أنفعُ للمسلمين في دينهم ودنياهم.
ولقيلٌ من الحلال يُبارَك فيه, والحرامُ الكثير يذهب, ويمحقه الله تعالى، والله أعلم.
والشروط العُمرية التي كانوا ملتزمين بها:
1 -أن لا يتخذوا من مدائن الإسلام ديرًا ولا كنيسة ولا قُليّة ولا صومعة لراهب, ولا يجددوا ما خرب منها.