وكأن الله سبحانه يريد أن يرشدنا إلى أن الحضارة، أي حضارة لا تقوم ولا تستمر في بنيانها بعيدة عن القانون الرباني, المتحكم في كل شيء, والذي لا يخرج من إطاره ذرة ولا أصغر من ذلك, وفيما يخصنا نحن كمسلمين, مؤمنين في أساسها هي روح الإيمان بالله تعالى.
لقد جعل الله هذه السنن في الكون والإنسان, كي يسير وفق قوانينها, وبالتالي يأخذ بأسباب الرقي والتقدم والازدهار, وإن خالف هذه السنن والقوانين تعرض للهلاك والدمار, وصفحات تاريخ الإنسانية مليء بمثل هذه الأحداث, سلبًا, أو إيجابا, والعاقل والسعيد من اتعظ بغيره.
والقرآن الكريم هو النبع الأصيل لإمداد الحياة بروافد الفكر المهتدي بنور الوحي الإلهي، فياض بالعلوم والمعارف، زاخر بروائع الحقائق، يستثيره الباحثون بالبحث والنظر فيعطيهم من خزائن حكمته ما تشاء عقولهم المسلمة من هديه وإرشاده.
ففيه من ذكر لهذه السنن بأنواعها المتعددة, والمتنوعة, ما يدفع الباحثين والدارسين للكشف عن لثامها, والتعامل معها والاستفادة من طرحها.
والقرآن الحكيم في حديثه عن آيات الله الكونية يقرن الأرض بالسماء، ثم يتحدث عن شئ من عوالم السماء إبرازًا لما فيه من سنن الله وآيات ودلائل قدرته, ينتقل إلى الحديث عن الأرض وألوان الحياة فيها، وسيد الأرض الذي سخر الله له ما فيها من منافع هو الإنسان، لأنه صاحب السلطان على كل ما سخر الله له من شي، ومن هنا كان لابد من اختصاص هذا الإنسان بنوع من السنن الإلهية، يقيم عليها بناء حياته بدأ وانتهاء.
وواقع المسلمين في العصر الحديث من التخلف الحضاري، والتدهور الاجتماعي إنما يُعزى إلى جهلهم بالسنن في الآفاق وفي المجتمع، ولا سبيل إلى التقدم والرقي والنهوض واستئناف الدورة الحضارية إلا بفهمها وفقهها، وحسن التعامل معها، وإتقان تسخيرها واستثمارها، واستشراف مستقبلها.