فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 114

وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بالحقِ

وصف الله سبحانه وتعالى شدة الموت في أربع آيات: في قوله تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) [1] وقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) [2] وقوله تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) [3] وقوله تعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ) [4] .

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءَ: بَيْنَمَا الإِنْسَانُ فِي صِحَّتَهِ مُتَمَتِّعًا فَرِحًا بِقُوَّتِهِ وَشَبَابِهِ لا يَخْطُرُ لَهُ الضَّعْفُ عَلَى قَلْبِ وَلا الْمَوْتُ عَلَى بَال إِذْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ وَجَاءَ الضَّعْفُ بَعْدَ الْقُوَّةِ وَحَلَّ الْهَمُّ مِنْ نَفْسِهِ مَحَلَّ الْفَرَحِ وَالْكَدَرُ مَكَانَ الصّفَاءِ وَلَمْ يَعُدْ يُؤَنِّسُه جَلِيسٌ وَلا يُرِيحَهُ حَدِيثٌ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ الْعَلِّي الْعَظِيم قَدْ سَئِمَ وَمَلَّ مِمَّا كَانَ يَرْغَبُهُ فِي أَيَّامِ صِحَّتِهِ وَصَارَ لا يَشْتَهِي الْغِذَاء وَيَكْرَهُ تَنَاوَلَ الدَّوَاءِ يُفَكِّرُ فِي عُمُر أَفْنَاهِ وَشَبَابٍ أَضَاعَهُ فِي الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَعِنْدَ الْمَلاهيِ والْمُنْكَرَاتِ. وَيَتَذَكَّرُ أَمْوالًا جَمَعَها وَدُورًا بَنَاهَا وَقُصُورًا شَيَّدَهَا وَضِيَاعًا جَدَّ وَكَدَّ فِي حِيَازَتِهَا وَيَتَأَلَّمُ لِدُنْيَا فَارَقَها وَيَتْرُكُ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا يَخَافُ عَلَيْهِمْ الضَّيَاعَ مِنْ بَعْدِهِ مَعَ اشْتِغَالِ نَفْسِهِ بِمَرَضِهِ وَآلامِهِ وَتَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِمَا يُعَجِّلُ شِفَاءَهُ وَلَكِنْ مَا الْحِيلَةُ إِذَا اسْتَفْحَلَ الدَّاءُ وَلَمْ يُفِدِ الدَّوَاءُ وَحَارَ الطَّبِيبُ وَيَئِسَ الْحَبِيبُ (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بالحقِ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [5] .

لمسة بيانية: أن القرآن الكريم يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة، أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى) فهو يقول مثلا: (وجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالحَقّ) وقال: (فَإذا جاءَت الصّاخّة) وقال: (فإذا جاءَت الطّامّةُ الكُبْرَى) وهذا كله مما فيه صعوبة ومشقة.

(1) ق: 19

(2) الأنعام: 93

(3) الواقعة: 83

(4) القيامة: 26

(5) موارد الظمآن لدروس الزمان , عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ (3/ فصل الموت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت