المقدمة
الحمد لله الذى أذلَ بالموتِ رقابَ الجبابرةِ، وأنهى بالموتِ آمالَ القياصَرة، فنقلَهم بالموتِ من القصورِ إلى القبور، ومن ضِياءِ المهُود إلى ظُلمةِ اللحود، ومن مُلاعبةِ الولدانِ والخِلانِ إلى مقاساةِ الديدان، ومن التنعمِ في ألوانِ الطعامِ والشرابِ إلى التمرغِ في ألوانِ الوحلِ والترابِ. وصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
وبعد:
فقد أجلنا النظرَ في غضونِ المباحثِ المسطورةِ في عظاتِ الموتِ المنشورةِ , فاستخلصنا هذه الرسالةَ الوجيزةَ، والدرةَ الثمينةَ العزيزةَ، المسماة (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) [1] واعتمدنا فيها من تقريبِ العبارةِ، وتوضيحِ الإشارة، ما تتلقاه المدركة بمجرد الالتفات، ولا تخشى فيه الحافظةُ الفوات، معززة النصوص بمختارات صحيح الشواهد، ومقرونة بنقول الفرائد والفوائد، لتكون موعظةً للقلوبِ موقظة، فإن قلوبَنا بالذنوب مريضةٌ، وأجنحتَنا بالخطايا مهيضةٌ، وأنها لتبصرةٌ للمَوتِ الخَطب الأفظع والأمر الأشنع , إنه الحقيقةُ التي لا مفرَّ منها ولا مهربَ طال الزمان أو قصر (قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلِى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) . [2]
وان المتأملَ لحالِ المسلمينَ الذين ظهرت فيهم الآفاتُ والفتنُ وعم فيهم التعلق بالدُنْيَا وزُخرفها ليشعرُ بالرهبةِ والإشفاقِ. إذ قد قست منا القلوبُ فهي لاهيةٌ وساهيةٌ وغافلةٌ عن الموعظات.
(1) مريم 39
(2) الجمعة 8