الصفحة 1 من 217

تهافت ابن رشد في كتابه

تهافت التهافت

-مظاهره، آثاره، أسبابه -

-قراءة نقدية تكشف أخطاء و مغالطات، و تناقضات ابن رشد في كتابه تهافت التهافت-

الأستاذ الدكتور

خالد كبير علال

دار كنوز الحكمة

الطبعة الأولى- الجزائر

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على النبي الكريم: محمد بن عبد الله، و على آله و صحبه، و كل من سار على نهجه إلى يوم الدين. و بعد:

أولا خصصتُ كتابي هذا لنقد كتاب تهافت التهافت للفيلسوف الأرسطي أبي الوليد بن رشد الحفيد لأندلسي المُتوفى سنة 595 هجرية. فهو المنطلق و الأرضية التي يقوم عليها كتابنا هذا، مع الاستعانة بمصنفاته الأخرى عند الحاجة إليها. و قد عنونته ب: تهافت ابن رشد في كتابه تهافت التهافت. و قصدتُ بعبارة: التهافت معنى واسعا يشمل معاني طائفة من العبارات المترادفة و المتقاربة في معانيها، منها: السقوط، و الانهيار، و البطلان، و الزيف، و الخطأ.

و يهدف كتابنا هذا إلى تحقيق هدفين أساسيين: الأول: إظهار حقيقة أبي الوليد بن رشد: فكرا و شخصية من خلال أشهر كتاب من كتبه: تهافت التهافت الذي رد به على الشيخ أبي حامد الغزالي (ت 505 هجرية) ، في كتابه تهافت الفلاسفة.

و الهدف الثاني: المساهمة في الرد على المدرسة الرشدية المعاصرة التي غالت في ابن رشد و فكره، فنفخته و جعدته، و بالغت في مدحه و تبجيله و تدليله من جهة؛ و أقامت فكرها على كثير من أباطيل و مغالطات و انحرافات ابن رشد من جهة أخرى. فجاء كتابنا هذا مساهمة منا للرد عليها من خلال تقويض جانب أساسي و كبير من فكر ابن رشد الذي قامت عليه الرشدية المعاصرة.

و ثانيا إن ميزاننا و منطلقنا في نقد كتاب ابن رشد يتمثل في الوحي الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح. و هو منهج أشارت إليه، و دلت عليه نصوص شرعية كثيرة، منها قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} الحج 8 - . و نقدنا موجه مباشرة لنقد أفكار و مواقف ابن رشد لإظهار تهافتها، و ليس موجها لنقد أفكار الغزالي، أو الانتصار لها و لصاحبها و لمذهبه الأشعري. لكن موافقتي للغزالي في كثير من مواقفه فمردها إلى صحة تلك الأفكار، و إلى الصواب الذي جمع بيني و بينه المأخوذ من الشرع، و العقل الفطري، و العلم الصحيح؛ فهو صواب ليس حكرا على أحد، و لا يحق لأحد أن يحتكره لنفسه في أي حال من الأحوال. و ليس مرد موافقتي له إلى الوحدة المذهبية، فلستُ على مذهبيته في أصول الدين و لا في فروعه.

و ثالثا أُشير هنا إل أنني أغفلتُ مواضيع كثيرة من كتاب الرجل لم أقف عندها، إما لأنها مكررة و إن اختلفت ألفاظها و مواضعها من كتاب تهافت التهافت. و إما أنها تندرج ضمن المواضيع الأساسية التي ركزتُ عليها. و إما أنها مواضيع نظرية باطلة جوفاء لا طائل من ورائها، أقيمت على خلفية مذهبية ظاهرة البطلان، فمن العبث تضييع الوقت و الجهد في الوقوف عندها للرد عليها.

كما أني أُنبه هنا إلى أنه توجد مواضيع مُكررة في كتابي هذا بطريقة أو أخرى، سببها تداخل القضايا الفكرية المطروحة في كتاب تهافت التهافت من جهة. و كثرة تكرار ابن رشد لكثير من الأفكار التي يتطلب المقام إعادتها بصيغ مختلفة من جهة أخرى.

و أُشير أيضا إلى أن النماذج التي سأذكرها كعينات من تهافتات ابن رشد هي من باب التمثيل الواسع و ليست من باب الحصر. لأننا سنهمل تهافتات و أباطيل كثيرة لا نتوقف عندها، إما لأنها مُكررة، أو أنها ليست ذات أهمية كبيرة، أو أنها تستحق الذكر لكن الوقوف عندها سيزيد في حجم الكتاب كثيرا. وعليه فتجب الإشارة هنا إلى أن كتاب تهافت التهافت لا بن رشد هو كتاب تهافتات بامتياز، بسبب كثرة أخطائه و انحرافاته المنهجية، و مغالطاته و مخالفاته الشرعية!!.

و أخيرا نسأل الله عزّ وجل التوفيق و السداد، و الثبات و اليقين، و الإخلاص في القول و العمل، و أن ينفع بهذا الكتاب كاتبه و ناشره، و قارئه و كل من سعى في إخراجه. إنه سبحانه سميع مُجيب، و على الإجابة قدير، و بها جدير.

أ، د: خالد كبير علال

غرة ذي الحجة 1432 هجرية/ مطلع نوفمبر 2011 م- الجزائر-

الفصل الأول

تهافت ابن رشد في مواقفه المتعلقة بأزلية العالم و مكوناته

-من خلال كتابه تهافت التهافت -

أولا: قول ابن رشد و أصحابه بأزلية العالم و أبديته

ثانيا: موقف ابن رشد و أصحابه من طبيعة العناصر المكونة للعالم

ثالثا: موقف ابن رشد و أصحابه من كائنات العالم العلوي

رابعا: قول ابن رشد و أصحابه بأزلية الأنواع و حدوث الأفراد

خامسا: موقف ابن رشد و أصحابه من المعاد الأخروي و خلود النفس

تهافت ابن رشد في مواقفه المتعلقة بأزلية العالم و مكوناته

-من خلال كتابه تهافت التهافت -

نُخصص الفصل الأول من هذا الكتاب لنقد المنطلقات المذهبية الأساسية التي أقام عليها ابن رشد الحفيد كتابه تهافت التهافت. و هي مُنطلقات فلسفية أرسطية، تتعلق بأزلية العالم و أبديته، و بطبيعة العناصر المكونة لمادة الكون من جهة، و بطبيعة كائنات العالمين العلوي و الأرضي، و مصير النفس الإنسانية بعد موتها من جهة أخرى. فما تفاصيل ذلك؟، و ما هي تهافتات ابن رشد المتعلقة بتلك المواضيع؟.

أولا: قول ابن رشد و أصحابه بأزلية العالم و أبديته:

ذكر ابن رشد أن أصحابه الفلاسفة - أرسطو و أصحابه [1] - قالوا بأزلية العالم و أبديته، فلا بداية له و لا نهاية [2] . و دافع عن موقفهم هذا بكل ما يستطيع، و جعل الشرع وراء ظهره. و هو موافق لهم في ذلك لأنه دافع عن قولهم بقوة من جهة، و هو مشائي-أرسطي- مثلهم من جهة ثانية، و قد صرّح بقولهم و تبناه صراحة في كتبه الأرسطية من جهة ثالثة [3] .

و من تلك المواقف أنه حكى عنهم قولهم بالتفصيل ابتداءً من العالم الأرضي إلى الأجرام السماوية، فقال: (( فهم يقولون: إن كون الحركات المختلفة بالجنس هاهنا، دائمة لا تُخِلُّ، هو أن هاهنا حركة واحدة بالعدد أزلية، و أن السبب في أن هاهنا أجساما كائنة فاسدة بالأجزاء، أزلية بالكل، أن هاهنا موجودا أزليا بالجزء و الكل، و هو الجرم السماوي. و الحركات التي لا نهاية لها إنما صارت أبدية بالجنس من قِبل حركة واحدة بالعدد متصلة دائمة، و هي حركة الجرم السماوي. و ليس حركة السماء مؤلفة من دورات كثيرة إلا في الذهن فقط. و حركة الجرم السماوي إنما استفادت الدوام، و إن كانت كائنة فاسدة بالأجزاء من قِبلِّ محرك لا يمكن فيه أن يحرك تارة و لا يحرك أخرى، و من قِبل متحرك لا يمكن فيه أيضا أن يتحرك حينا و يسكن حينا من جهة ما هو متحرك، كما يُلفَى ذلك في المتحركات التي لدينا ) ) [4] .

و منها أيضا قوله: (( و بهذا ينحل جميع الشكوك الواردة لهم في هذا الباب. و أعسرها كلها هو ما جرت به عادتهم أن يقولوا: إنه إذا كانت الحركات الواقعة في الزمان الماضي حركات لا نهاية لها، فليس يوجد منها حركة في الزمان الحاضر، المشار إليه، إلا و قد انقضت قبلها حركات لا نهاية لها ) ). و (( و هذا صحيح و معترف به لدى الفلاسفة، إن وضعت الحركة المتقدمة شرطا في وجود المتأخرة. و ذلك أنه متى لزم أن توجد واحدة منها لزم أن توجد قبلها أسباب لا نهاية لها. و ليس يجوّز أحد من الحكماء و جود أسباب لا نهاية لها، كما تجوّزه الدهرية، لأنه يلزم عنه وجود مسبب من غير سبب، و متحرك من غير محرك ) ) [5] .

و أقول: إن قول ابن رشد و أصحابه بأزلية العالم و أبديته باطل متهافت جملة و تفصيلا من جهة؛ و دليل الحركة الذي اعتمدوا عليه في قولهم بذلك لا يصح الانطلاق منه عقلا، و لا شرعا، و لا علما من جهة أخرى.

فأما عقلا فلا يُوجد دليل صحيح يجعلنا ننطلق من الحركة، لأن الحركة صفة لكائن و ليست ذاتا لكائن، و من ثم فهي تابعة لطبيعة الذات، و من ثم فهي صفة لأزلي، كما أنها صفة لمخلوق. و عليه فلا بد من البحث في العالم و كائناته هل هي بذاتها أزلية أم مخلوقة؟. و الشواهد الآتية تبين ذلك بوضوح.

أولها إن الثابت من حال الكائنات الحية الأرضية كالإنسان مثلا يشهد على أنها مخلوقة لها بداية تولد فيها، و نهاية تموت فيها. و هذا يستلزم أن تلك الكائنات لها بداية و نهاية و من ثم فهي ليست أزلية، و بما أن الكائنات الأخرى من تراب، و أرض و نجوم و كواكب هي كائنات تشبه الإنسان من جهة الوجود، و التأثر بما يحدث في الطبيعة تأثير و تأثرا، فهي مخلوقة مثل الكائنات الحية الأرضية على أساس القاعدة المنطقية التي تقول: الجمع بين المتشابهين و التفريق بين المختلفين. و هذا أقوى أدلة الحدوث العقلية على الإطلاق، و قد أكد صحته الشرع و العلم معا.

و الشاهد الثاني يتعلق بظاهرة الافتقار و المرحلية التي تتحكم في الكائنات الأرضية، و مفاده هو أن المتدبر في هذا الكون يجده قائما على الافتقار، و الأسبقية، و المرحلية، و التدرج. و هذا يعني أن مخلوقات هذا العالم ليست أزلية، و إنما هي لها بدايات مختلفة و متنوعة، و لو كانت أزلية ابتداءً فليست في حاجة إلى غيرها، و لا إلى المرحلية في الظهور. و تفصيل ذلك هو أنه لا يُمكن أن توجد البحار إلا إذا وُجدت الأرض. و لا يُمكن أن يُوجد النبات إلا إذا وجدت الأرض، و الشمس، و الهواء، و الماء. و لا يُمكن أن توجد الكائنات الحية إلا إذا وجدت الأرض، و الشمس، و الهواء، و الماء. و لا يُمكن أن يظهر الإنسان على وجه الأرض إلا إذا تهيأت له الظروف الطبيعية لحياته. فلما تهيأت خلقه الله تعالى، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة 30 - ، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} الإنسان 1 - .

و الشاهد الثالث إنه ليس لدى هؤلاء الفلاسفة دليل صحيح يُثبتون به قولهم بالحركة، على أساس أن المادة أزلية مسبقا، من أين لهم ذلك؟!!. فإن قيل: إنهم يقولون باستحالة الخلق من عدم [6] . فنقول: إن قولهم هذا باطل عقلا، و شرعا، و علما، و سنناقشه و نبين تهافته لاحقا بحول الله تعالى. فهم ينطلقون من رغبات و تمنيات و ظنون، وليست عندهم أدلة صحيحة من الوحي الصحيح، ولا من العقل الصريح، و لا من العلم الصحيح.

و الشاهد الرابع مفاده: هل كان العالم قبل الحركة كاملا بمادته و كائناته الجامدة؟؟. و إن كان كذلك فمن جعله على تلك الحالة؟!!. و إن كان كذلك فلماذا لم يكن كاملا في كل شيء؟؟!!، فهل يُعقل أن توجد الكائنات من كواكب و إنسان، و حيوانات و نباتات، و تحتاج إلى من يُحركها فقط؟؟ و أليس هذا كلام بلا علم، و رجم بالغيب، و زعم قائم على التحكمات و الرغبات؟؟. و إذا كان العالم كذلك فليكن أزليا في كل شيء، و لا يكون في حاجة إلى الحركة!!. و لماذا ليس أزليا في كل شيء؟؟. و لماذا هو أزلي في كل شيء إلا الحركة؟؟!!. لا جواب صحيح، و إنما هي الأهواء و الظنون و التحكمات!!!.

و أما شرعا فابن رشد قرر ما يخالف الشرع صراحة، و انتصر لموقف الفلاسفة المشائين -و هو منهم- على حساب حقائق الشرع الدامغة التي تنسف مزاعمه من أساسها. لكن الغريب و المُحير من أمر هذا الرجل أنه كيف سمح لنفسه أن يفعل ذلك، و يُخالف أصول دين الإسلام المعروفة من دين الإسلام بالضرورة؟؟!!. فالشرع نص صراحة على أن العالم بأسره له بداية، فهو مخلوق بعد عدم، و أنه سينتهي لا محالة، و أن كل كائناته مخلوقة لله أيضا. منها الإنسان الذي كانت له بداية معلومة مُحددة زمانا و مكانا. فالشرع أكد على أن الكون مخلوق و ليس مُحركا، و لا كان ينتظر التحريك. فلا وجود لذكر الحركة أصلا، و إنما هي من مظاهر الخلق مع الزمان و المكان قال سبحانه و تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} الأنبياء 30 - ، و {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم} -فصلت: 9 - 12 - ، و {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} الأعراف 54 - . {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة 30 - ، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} الإنسان 1 - . فلماذا خالف هذا الرجل ما نص عليه القرآن الكريم؟؟!!.

و أما من الناحية العلمية فقد نص العلم الحديث على أن العالم ليس أزليا، و أن له بداية قُدرت ب: 13 مليار سنة، و أنه ستكون له نهاية حتمية [7] . فالكون حسب العلم الحديث ليس أنه كان موجودا ثم احتاج إلى من يُحركه، و إنما لم يكن موجودا أصلا، فلما ظهر بعد أن لم يكن بكل مكوناته ظهر بمادته و زمانه و مكانه و حركاته. و بذلك تتهافت مزاعم ابن رشد التي رد بها على كلام الغزالي.

و ثانيا إن تفريق ابن رشد بين موقف الفلاسفة و الدهريين، هو تفريق شكلي و ليس تفريقا حقيقا، لأن الحقيقة هي أن هؤلاء الفلاسفة- المشائين- هم في الحقيقة و بالضرورة هم دهريون، لأن القول بأزلية العالم بأي شكل من الأشكال يستلزم الدهرية بالضرورة، و من ثم فإن تفريق ابن رشد تفريق لا معنى له. لأن الدهريين لهم دهرية واحدة بلا إله، و أرسطو و أصحابه- منهم ابن رشد- لهم دهريتان: الأولى أزلية العالم مادة و صورة جامدة قبل التحريك. و الثانية هي دهرية مرتبطة بقولهم بدوام فاعلية المحرك الذي لا يتحرك، و من ثم فالتحريك أزلي، و لن يكون حسب اعتقادهم للتحريك بداية و لا نهاية، و من ثم لا بداية للكون المتحرك و لا نهاية له [8] . و هذه دهرية ثانية تستلزم إنكار الوحي الإلهي و المعاد الأخروي بالضرورة، و هي نتيجة حتمية هي نفسها توصلنا إليها دهرية الدهريين، فهي دهرية معدلة بعض الشيء لكنها توصل إلى نتيجة واحدة فيما يتعلق بالوحي و مصير العالم و الإنسان. و عليه فاعتقادهم يجمع بين ثلاث أزليات: أزلية المحرك الذي لا يتحرك، و أزلية الكون مادة و صورة جامدة قبل التحريك، و أزلية العالم المتحرك بفعل دوام الفاعلية حسب زعمهم. و هذا مخالف للشرع و العقل و العلم [9] ، فلا أزلية إلا للخالق عز وجل.

و النموذج الثاني مفاده أن ابن رشد قال: (( و لولا كون العالم بهذه الصفة، أعني: أن جوهره في الحركة لم يحتج العالم بعد وجوده إلى البارئ سبحانه، كما لا يحتاج البيت إلى وجود البنّاء بعد تمامه والفراغ منه، إلا لو كان العالم من باب المضاف كما رام ابن سينا أن يبينه في القول المتقدم ) ). و قال أيضا: (( أعني لكون جوهر العالم كائنا في الحركة(= فلا بد له من محرك) [10] ، وكون صورته التي بها قوامه ووجوده من طبيعة المضاف (= كالعلاقة بين المتحرك ) ) [11] .

و أقول: ليس صحيحا أن جوهر العالم في الحركة، و إنما جوهره في خلقه و إيجاده من عدم، فالخلق أوجد العالم بمادته و مكانه، و زمانه و حركته. و هذا أمر ثابت قام الدليل الشرعي و العقلي و العلمي على صحته، كما سبق أن بيناه. و عليه فإن إلهيات ابن رشد و أصحابه باطلة لبطلان أساسها الذي قامت عليه.

و ليس صحيحا أن الحركة هي التي جعلت العالم محتاجا إلى الخالق بعد وجوده. فهذا غير صحيح بما ذكرناه، كما أن الأمر يجب أن يُنظر إليه من جهة أخرى، و هي أن حاجة العالم إلى خالقه لا تتعلق بالحركة من عدمها، و إنما تتعلق بإرادة و مشيئة الخالق عز وجل، فهو فعال لما يريد، و على كل شيء قدير. و عليه فإذا شاء جعله محتاجا إليه بعد خلقه له، و إذا لم يشأ ذلك، جعله غير محتاج إليه بعد خلقه. لكن الله تعالى أخبرنا أنه سبحانه جعله محتاجا إليه، و لولاه ما قامت له قائمة، و انه سبحانه سيُنهيه عندما يحين وقت إنهائه. قال سبحانه: {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} الرعد 2 - ، و {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} فاطر 41 - ، و {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء 104 - ، و {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} القصص 72 - .

و أما مثال البنّاء و البيت، فهو مثال نسبي، و لا ينطبق تمام الانطباق على الموضوع، لأن البيت يبقى محتاجا إلى البنّاء من جهتين: الأولى أن البيت يبقى محتاجا إلى من يحميه، و يُرممه، ... إلخ. و الثانية أن البنّاء قد يستطيع أن يجعل في البيت تقنيات، أو نقاط ضعف تجعله يحتاج دائما أو دوريا إلى البنّاء لكي يُصلحه و يُسهل أداء مهمته.

و النموذج الثالث مفاده أنه سبق أن ذكرنا خطأ ابن رشد و أصحابه في انطلاقهم من الحركة في قوله بقدم العالم، و بينا أن الحركة و الزمان و المكان كل ذلك أوجدته عملية خلق العالم. و بما أن الأمر هكذا فمواقف هؤلاء كلها باطلة، و نحن هنا نزيد الأمر إثراء فيما يتعلق بالحركة و الزمان، و الحدوث و المكان. فقال ابن رشد: (( و لذلك كان الزمان واحدا لكل حركة و متحرك، و موجودا في كل مكان. واجب إن كان هاهنا حركة حادثة أن يكون قبلها زمان ) ) [12] .

و أقول: إن الزمان ليس واحدا لكل حركة و متحرك بدليل الشرع و العلم. فأما شرعا فالله تعالى أشار إلى أن مقدار زمن الأرض يختلف عن الزمن يوم القيامة، لقوله سبحانه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} يونس 45 - ،و {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ 111} قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ {112} قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ {113} قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {114} - المؤمنون:111 - 114 - . و كذلك الزمن بالنسبة لنظرة الإنسان و بالنسبة لله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} الحج 47 - ، و {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ 4} فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا {5} إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا {6} وَنَرَاهُ قَرِيبًا {7} -المعارج:5 - 7 -

و أما من الناحية العلمية، فقد أثبت العلم الحديث نسبية الزمن و تنوّعه فيما يخص الأرض و الأجرام السماوية الأخرى. فكوكب الأرض مثلا يُكمل دورته حول نفسه في 24 ساعة، لكن عطارد يُكملها حول نفسه في 88 يوما، و كوكب الزهرة يُكملها حول نفسه في نحو ثلاثة أسابيع [13] .

فلو تدبر الرجل القرآن جيدا و أخذ به ما أخطا فيما قاله. علما بأن الزمن ليس لازما لكل حركة و متحرك، و إنما هو لازم لكل مخلوق- حادث- و ما نتج عن ذلك من حركة. لكن الزمن ليس لازما بالضرورة لكل مُتحرك. فهو لازم للمخلوق سواء تحرك أو لم يتحرك، و ليس لازما لكل متحرك. لأن الأزلي يتحرك بدون زمان، لأنه ليس مخلوقا، و لا بداية و لا نهاية له كما سبق أن بيناه.

علما بأن المخلوق ظهر زمانه معه، و لم يكن له زمان قبله، فالكون مثلا لم يكن له زمان قبل أن يخلقه الله تعالى. و كذلك الكائنات الأرضية الحية، فلم يكن لها زمان قبل ولادتها، و الزمان الذي كان موجودا قبلها ليس زمانها، و إنما هو زمن الكائنات التي كانت موجودة خاصة، و زمن الكون عامة، و قبل وجوده فلا زمان له أصلا.

و بما أن الحركة تابعة للذات الكائنة، فهي إن كانت مخلوقة ثم تحركت فهي هنا تحركت و مسبوقة بزمانها، لكنها إن لم تكن موجودة ثم خُلقت، فهي هنا غير مسبوقة بزمان، و إنما ولد معها زمانها و مكانها و حركتها. و أما إن كانت الذات أزلية- غير مخلوقة- فهي ليست مسبوقة بزمان، و لا تخضع له، و لا يُحيط بها. و هذا لا يصدق إلا على الذات الإلهية، و تكون حركتها من ذاتها لا يتحكم فيها زمان. و بذلك تتهافت مزاعم ابن رشد و أصحابه.

و النموذج الرابع مفاده أن من أخطاء ابن رشد و أصحابه المتعلقة بقولهم بأزلية الزمان أنهم قالوا بأزلية الزمان مُطلقا. فقال ابن رشد: (( و ذلك أن الزمان لم يوجد له مبدأ أول حادث في الماضي، لأن كل مبدأٍ حادثٍ هو حاضرٌ، و كل حاضر قبلَه ماض. فما يوجد مساوقا للزمان و الزمان مساوقا له، فقد يلزم أن يكون غير متناه، و أَلا يدخل في الوجود الماضي إلا أجزاؤُه التي يحصرها الزمان من طرفيه ) ) [14] .

و أقول: أخطأ الرجل فيما ذهب إليه، و كلامه فيه تغليط، و مخالف للعقل و الشرع و العلم. فأما عقلا فالزمان نفسه حادث مخلوق كغيره من المخلوقات، و هذا بشهادة الواقع فعندما يُولد إنسان مثلا، فهو يخرج إلى الوجود بمكانه و جسمه، و حركته و زمانه، فيصبح له زمان مُحدد ظهر فيه. و قبل ظهوره لم يكن له زمان أصلا، و لا يصح ربطه بزمان غيره. و بما أن هذا هو الصحيح، فإن العالم عندما خلقه الله تعالى لم يكن له زمان قبله، لأن زمانه و مكانه و حركته و مادته كل ذلك ظهر بخلق الله له. فهو حاضر بلا ماضٍ قبل خلقه، فعندما خلقه الله تعالى أصبح له ماضٍ ببداية مُحددة و حاضر مُشاهد، و هذا الماضي ظهر بعد خلقه و ليس قبله، كما أراد أن يُوهمنا به ابن رشد.

و أما شرعا فقد نصت النصوص الشرعية على أن الله تعالى خلق المخلوقات و لم يكن لها وجود من قبل، و هذا يعني بالضرورة أن لها زمان مُحدد ظهرت فيه، من دون ماضٍ خاص بها. من ذلك قوله سبحانه: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} الإنسان 1 - ، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة 30 - . فالإنسان عندما خلقه الله تعالى بدأ معه زمانه، و لم يكن له أي زمان خاص به.

و أما من الناحية العلمية، فالأمر أيضا واضح وضوح الشمس، فبما أنه قامت الأدلة العلمية على أن الكون مخلوق له بداية، و ستكون له نهاية [15] . فهذا يعني بالضرورة أن زمن الكون بدأ مع خلقه، و لم يكن له زمان قبله، و أنه سينتهي بانتهائه.

(1) معرفون بالمشائين.

(2) تهافت التهافت، حققه محمد عابد الجابري، ط 1، م كز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص:، 125 و ما بعده، 198 و ما بعدها.

(3) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 32، 77، 124، 125، 126، 130. و ابن رشد: تلخيص السماء و العالم، حققه جمال الدبن العلوي، منشورات كلية الآداب بفاس، ص: 188، 189. و ابن رشد:: رسالة السماء و العالم، و الكون و الفساد، حققه رفيق العجم، و جيرار جهامي، ص: 47. و ابن رشد: شرح السماء و العالم، حققه أسعد جمعة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2002، ص: 4 و ما بعدها. و زينب عفيفي:: فلسفة ابن رشد الطبيعية، ص: 63، 83، 138. و علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، دار المعرفة الجامعية، الأسكندرية، 1990،، ص: 203.

(4) تهافت التهافت، ص: 322.

(5) ابن رشد: تهافت التهافت، تحقيق محمد عابد الجابري، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص: 125.

(6) ماجد فخري: أرسطو: المعلم الأول، ص:102. ابن رشد: كتابه تلخيص ما وراء الطبيعة، ص: 50 و ما بعدها.

(7) دافيد برجاميني: الكون، دار الترجمة، بيروت، ص: 98. و منصور حسب النبي: الزمان بين العلم و القرآن، ص: 108، 122.

(8) سنعود إلى مبدأ دوام الفاعلية لاحقا في هذا المبحث.

(9) ذكرنا الأدلة على حدوث العالم، و سنذكر غيرها فيما يأتي.

(10) أُنبه هنا إلى أن الشروح الاغتراضية التي سترد في النصوص التي سننقلها من كتاب تهافت التهافت، هي من وضح محقق الكتاب محمد عابد الجابري.

(11) تهافت التهافت، ص: 237.

(12) تهافت التهافت، ص: 169.

(13) عبد الحميد سماحة: في أعماق الفضاء، ص: 29 و ما بعدها.

(14) تهافت التهافت، ص: 200.

(15) سبق توثيق ذلك، علما بأن أمر حدوث الكون و نهايته أصبح من الأمور المعروفة عند أهل العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت