الصفحة 2 من 217

و النموذج الخامس مفاده أن من الأدلة التي اعتمد عليها ابن رشد و أصحابه في قولهم بأزلية العالم قولهم بأن كل خلق للعالم يتطلب وجود مادة أزلية مُسبقا، لأنهم أنكروا إمكانية الخلق من عدم، لأنه لا شيء يأتي من لا شيء، و في هذا يقول ابن رشد مُعبرا عن رأيه و موقف أصحابه: (( و المادة لا تتكون بما هي مادة، لأنها كانت تحتاج إلى مادة و يمر الأمر إلى غير نهاية. بل إن كانت مادة متكونة، فمن جهة ما هي مركبة من مادة و صورة. و كل متكون فإنما يتكون من شيء ما. فإما أن يمر ذلك إلى غير نهاية على استقامة في مادة غير متناهية، و ذلك مستحيل،(حتى) و إن قدرنا محركا أزليا، لأنه لا يوجد شيء بالفعل غير متناه. و إما أن تكون الصور تتعاقب على موضوع غير كائن و لا فاسد، و يكون تعاقبها أزليا و دورا فإن كان ذلك كذلك وجب أن يكون هاهنا حركة أزلية تفيد هذا التعاقب الذي في الكائنات الفاسدات الأزلية )). و قال أيضا: (( و ذلك أنه يظهر أن كون كل واحد من المتكونات هو فسادٌ للآخر، و فسادهُ هو كونٌ لغيره، و إلا يتكون شيء من غير شيء. فإن معنى التكون هو انقلاب الشيء و تغيره مما بالقوة إلى الفعل. و لذلك فليس يمكن أن يكون عدم الشيء هو الذي يتحول وجودا، و لا هو الشيء الذي يوصف بالكون، أعني: الذي نقول فيه إنه يتكون. فبقي أن يكون هاهنا شيء(= مادة) حامل للصور المتضادة، و هي (المادة) التي تتعاقب الصور عليها )) [1] .

و أقول: إن هذا الرجل أخطأ فيما قاله لأنه لم يتكلم بوحي صحيح، و لا بعقل بديهي، و إنما يتكلم بعقل مذهبي أرسطي مُتهافت، فأفسد عليه موقفه، و أوقعه في الخطأ و مخالفة الشرع و العقل و العلم. لأنه أولا إن الله تعالى ذكر في عدة آيات أنه يخلق من مادة سابقة، و من دون مادة سابقة، فهو سبحانه الخلاق العظيم. فعن الخلق من مادة سابقة قوله سبحانه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} السجدة 7 - .

و أما الخلق الثاني فهو الخلق من عدم، و قد أخبرنا الله تعالى أنه سبحانه قادر على الخلق من عدم، و لم يشترط في ذلك توفر مادة سابقة ليخلق منها، وإنما أكد على أنه قادر على الخلق بمجرد كلمة منه سبحانه. كما في قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يس 82 - ،و {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} البقرة 117 - ، و {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} النحل 40 - . فهذه الآيات أدلة قطعية دامغة على أن الله تعالى قادر على الخلق من عدم. و أخبرنا أنه سبحانه خلق السموات و الأرض في ستة أيام من دون أن يذكر أنه خلقها من مادة مُسبقة كما حدث في خلق الإنسان، قال سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ

(1) تهافت التهافت، ص: 183، 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت