الصفحة 3 من 217

ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الأعراف 54 - .

و أما عقلا فمن الثابت قطعا أن المخلوق لن يستطيع خلق شيء من لا شيء، لأنه هو نفسه مخلوق، و المخلوق لا يُمكن أن يكون خالقا من جهة، و أنه لا يُمكن أن يُخلق شيء من عدم من دون خالق من جهة أخرى. فذلك يصدق على المخلوق، لكنه لا يصدق أبدا على الله تعالى، لأنه هو الخلاق العظيم، و بما أنه هو الخالق الخلاق، و أنه على كل شيء قدير فإنه يستطيع الخلق من عدم، و إلا ما كان خالقا. و لهذا قال سبحانه: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} النحل 17 - ،و {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} الأعراف 191 - ، و {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} النور 45 - ،و {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} النحل 20 - ، و {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} الفرقان 3 - . لكن هذا الخلق من عدم لا يعني أن المخلوق خلق نفسه من عدم، و لا أنه خُلق من عدم من دون سبب، و لا أن المخلوق يستطيع الخلق من عدم؛ و إنما يعني قطعا أن الله تعالى هو الذي خلقه من عدم، لأنه هو الخالق، و لا خالق سواه. فالخلق من عدم مستحيل أن يحدث إلا من جهة الخالق و حده سبحانه و تعالى، و إلا ما كان خالقا خلاقا على كل شيء قدير.

و من الناحية العلمية فإن فكرة الخلق من عدم-أي من لاشيء- أصبح لها مكانتها في علم الفيزياء الحديثة، و فيها يقول الفيزيائي المعاصر منصور حسب النبي: (( و ياليتها من نتيجة مذهلة يتحدث عنها علماء الفيزياء الآن، بعدما كانوا قديما يقولون: إن المادة و الطاقة لا تفنى و لا تُستحدث، و هذا صحيح طبعا في طور التسخير-أي بعد الخلق-، أما في طور الخلق الإلهي فهناك قانونان، أحدهما: كن فيكون من جهة، و الخلق من عدم من جهة أخرى ) ).و الخلق من عدم لا يحتاج مطلقا إلى زمن سابق لأن الزمان هنا هو افتراض ذهني لا وجود له فيزيائيا عند بداية الخلق، و هو ما يُسمى في الفيزياء الحديثة بأنه (( قفزة كمية في الزمكان دون حاجة لمادة أو طاقة ) ) [1] .

و قال أيضا: إنه يجب التمييز بين الخلق من عدم بلا زمن، و الخلق بالأمر الإلهي المُسخر بقوانين ثابتة، و هو الخلق من مادة سابقة , و الخلق الأول لا يتم إلا ب: كن فيكون، و لا يحتاج لزمان و لا لمادة، و لا لطاقة. فهو خلق من لا شيء في لا زمن، و عندما يُوجد هذا النوع من الخلق يصبح خاضعا للنوع الثاني من الخلق الذي هو في طور التسخير الخاضع -في المكان و الزمان- لمقادير

(1) منصور حسب النبي: المرجع السابق، ص: 123، 124، 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت