الصفحة 4 من 217

محددة ثابتة يدرسها العلماء. و في هذا يقول الفيزيائي ستيفن هوكنج: (( إن لحظة الانفجار العظيم لا تخضع لقوانيننا العادية الفيزيائية، لأنها تُوحي لنا بالخلق من عدم ) ) [1] .

و النموذج السادس مفاده أن لابن رشد اعتراض على القائلين بالخلق من عدم ذكره نيابة عن الفلاسفة المشائين، فقال: (( الفلاسفة تقول: إن من قال إن كل جسم محدث، و فَهِم من الحدوث الاختراع من لا موجود، أي من العدم، فقد وضع معنى من الحدوث لم يشاهده قط، و هذا يحتاج ضرورة إلى برهان ) ) [2] .

و أقول: هذا اعتراض وجيه و في محله، و هو صحيح على مستوى المخلوقات، فلم نر كائنا خُلق من عدم، و لا العقل يقبل ذلك من جهتين: الأولى أن يُخلق شيء من لاشيء من دون سبب. و الثانية أن يستطيع المخلوق أن يُوجد شيئا من لا شيء. لكنه يصبح مُمكنا على مستوى الخالق، و هذا الذي ينكره ابن رشد و أصحابه المشاؤون كما سبق أن بيناه. فهم بما أنهم قالوا بأزلية العالم، فأصبح عندهم الإيجاد لا يتم إلا بمادة من مادة، و لا يُمكن أن يحدث من دون مادة. فعندهم مستوى واحد من الإيجاد، و لا فرق فيه بين الإله و الكائنات الأخرى من جهة ضرورة توفر مادة مُسبقة ليتم الإيجاد، و لا واحد منهما يستطيع أن يُوجد شيئا من عدم. و هذا خطأ بيّن، و انحراف منهجي كبير في عدم تفريقهم بين الخالق و المخلوق من جهة القدرة على الإيجاد.

و عليه فإن اعتراض ابن رشد يسقط بدليل الشواهد الآتية: الأول بياننا السابق الذي بينا فيه انحرافهم المنهجي في عدم تفريقهم بين فعل الخالق و المخلوق. و الثاني مفاده أن الله تعالى ذكر صراحة أنه سبحانه مُطلق الإرادة و القدرة، و أنه فعال لما يريد، و أنه خلاق عظيم و لم يذكر أن عمله في الخلق محصور في الخلق من مادة فقط، و أنه لا يستطيع الخلق من عدم، و إنما أكد صراحة على أنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، كقوله سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} النحل 40 - .

و الشاهد الثالث مفاده أن العقل إذا كان يعتقد باستحالة الخلق من عدم كما بيناه، فإنه لا يرى هذا مُستحيلا في حق الخالق العظيم، فبما أنه هو الخالق فمن المنطق، و من الطبيعي أن يكون قادرا على أن يخلق من عدم و من غير عدم.

و الشاهد الرابع مفاده أن القول بالخلق من عدم أصبح موقفا معروفا في الفيزياء الحديثة، و قال به بعض علماء الطبيعة، و لهم في ذلك أدلة قوية، و

(1) نفس المرجع، ص: 128.

(2) تهافت التهافت، ص: 421 - 422.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت