الصفحة 5 من 217

بينوا أن في الكون نوعين من الخلق: الأول يتعلق بالبداية الأولى لخلق العالم و له قانون خاص، و الثاني يتعلق بالخلق من المادة الأولى التي تكونت أولا، و له قانون خاص به أيضا. و هذا أمر سبق أن بيناه و وثقناه فلا نعيده هنا.

و النموذج السابع يتعلق بموضوع أبدية العالم بحكم أزليته، و مفاده أن ابن رشد لما أورد رد أبي حامد الغزالي على جالينوس (تُوفي نحو: 210 م ) ) في قوله بعدم فساد الشمس، و قد رد عليه برد علمي صحيح بقوله: (( الثاني(= الاعتراض على جالينوس) : انه لو سلم له هذا، و أنه لا فساد إلا بالذبول، فمن أين عرف أنه ليس يعتريها الذبول؟ و أما التفاته إلى الأرصاد فمحال، لأنها لا تُعرف مقاديرها إلا بالتقريب. و الشمس التي يقال إنها (حجمها) كالأرض مائة و سبعين مرة أو ما يقرب منه، لو نقص منها مقدار جبال مثلا لكان لا يَبين للحس. فلعلها في (حال) الذبول، و إلى الآن قد نقص مقدار جبال أو أكثر. و الحِس لا يقدر على أن يدرك ذلك، لأن تقديره في علم المناظر (= علم الضوء) لم يُعرَف إلا التقريب. و هذا كما أن الياقوت و الذهب مركبان من العناصر عندهم، و هي قابلة للفساد. ثم لو وُضِعَ (=فُرِضَ عُمُرُ) ياقوتة مائة سنة لم يكن نقصانها محسوسا. فلعل نسبة ما ينقص من الشمس في مدة تاريخ الأرصاد كنسبة ما ينقص من الياقوت في مائة سنة. و ذلك لا يظهر للحِس. فدل أن دليله في غاية الفساد )) [1] .

فرد عليه ابن رشد بقوله: (( لو كانت الشمس تذبل، و كان ما يتحلل منها في مدة الأرصاد غير محسوس لِعَظَمِ جِرْمها، لكان ما يحدث من ذبولها فيما هاهنا من الأجرام له قدر محسوس. و ذلك أن ذبول كل ذابل إنما يكون بفساد أجزاء منه تتحلل. و لا بد في تلك الأجسام المتحللة من الذابل أن تبقى بأسرها في العالم، أو تتحلل إلى أجزاء أخر. و أيَّ ذلك(حصل) ، كان يوجب في العالم تغيرا بينا، إما في عدد أجزائه و إما في كيفيتها. و لو تغيرت كميات الأجرام لتغيرت أفعالها و انفعالاتها. و لو تغيرت أفعالها و انفعالاتها و بخاصة الكواكب، لتغير ما هاهنا من العالم، فَتُوُهِّمَ أن الاضمحلال على الأجرام السماوية مُخِلُّ بالنظام الإلهي الذي هاهنا عند الفلاسفة، و هذا القول لا يبلغ مرتبة البرهان )) [2] .

فواضح من كلام ابن رشد انه انتصر لرأي جالينوس في قوله بعدم فساد الشمس، و هذا موقف منتظر منه، لأنه جزء من قوله بأزلية العالم و أبديته، كما سبق أن أشرنا إلى هذا مرارا. و المهم هنا هو أن ابن رشد أخطأ في موقفه، و كان رده ردا ضعيفا و سفسطائيا، و أغفل الشرع إغفالا تاما. لأن الشرع أكد في نصوص كثيرة على أن الكون كله سينتهي، و يتهدم و يفقد نظامه و تنهار مكوناته

(1) تهافت التهافت، ص: 206.

(2) تهافت التهافت، ص: 207 - 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت