الصفحة 108 من 165

التهديد والوعيد يأتيهم من كل مكان، ولكنهم في سبيل الله حملوا دين الله سبحانه وتعالى ومستعدون لدخول السجون سنين وسنين، ومستعدون لتحمل كل الأذى على اختلاف أشكاله وإن طال .. بل مستعدون للموت في سبيل الله (كونوا كأصحاب عيسى حُملوا على الخشب ونُشروا بالمناشير، فما صدهم ذلك عن دين الله) .

هذا الحديث نموذج من نماذج ثورية الإسلام على أهل الباطل، ونموذج على شدة صراع الباطل مع الحق ورسالة إلى حملة الدين أنه لا دين دون تضحية وثبات، ولا علو للدين دون فداء فجهزوا أنفسكم لذلك وربوا الأجيال على هذا.

وبعد هذه الجولة السريعة مع هذا الحديث نذكر جملة من فوائده:

1 -أمر النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة الإسلام على كل حال سواء في حال الشدة أو في حال الرخاء.

2 -بيان النبي صلى الله عليه وسلم أن السلطان وكتاب الله سيفترقان، فولاة الأمور لن يحكموا بشرع الله سبحانه وتعالى كما هو حالنا الآن.

3 -بيان النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الحكام الذين يحكمون بغير كتاب الله ضُلّال مضلون، من أطاعهم ضل عن الحق واتبع الشيطان ولا يغني عن هؤلاء الحكام دفاع علماء السوء عنهم، والتماس العذار لهم فهم أئمة ضُلّال .. (فوإن أطعتموهم أضلوكم) .

4 -في الحديث بيان أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى.

5 -في الحديث بيان أن هؤلاء الحكام الحائدين عن سبيل الله أهل إفساد وإهلاك، يفسدون على الناس أمر دينهم ودنياهم ولا يتورعون عن سفك الدماء بغير حق، فانطبق عليهم الحديث (وإن أطعتموهم أضلوكم إن عصيتموهم قتلوكم) وانطبق عليهم قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} إبراهيم 28

6 -في الحديث الأمر بالصبر على دين الله مهما وقع على العبد من بلاء (كونوا كأصحاب عيسى حُملوا على الخشب ونُشروا بالمناشير فما صدهم ذلك عن دين الله) .

7 -في الحديث بيان ارتباط البلاء بالإيمان والإعلان به كما قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} العنكبوت 2 - 3، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء" وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط".

8 -الحديث فيه دلالة على ثورية الإسلام على الحكام المخالفين لكتاب الله الظالمين لعباده، مهما كان علوهم في الأرض.

9 -مادام هؤلاء الحكام المخالفين لكتاب الله على ضلال ومن أطاعهم أضلوه فإن العلماء اللذين يدعون الناس إلى طاعتهم وعدم الخروج عليهم بل يزينون للناس حال هؤلاء الحكام ويسمونهم بولاة أمور المسلمين، ويصفون من يخرج عليهم بأنهم خوارج، فهؤلاء العلماء ضُلّال، بل أئمة ضلال، جمعوا بين كتم الحق وبين اللبس والتلبيس بين الحق والباطل، وهؤلاء يقدمون للناس دينًا كهنوتيًا لا يحتوي على جهاد أو أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، فهم مغضوب عليهم لأن من ضل من علمائنا ففيه شبه من اليهود المغضوب عليهم لأنهم ضلوا على علم وهؤلاء ملعونون حتى يتوبوا، ومن شروط توبتهم تبيين ما كتموا من حقٍ للناس كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة 159 - 160 فاشترط الله سبحانه في توبتهم التبيين للناس لما كتموه من حقٍ كما قال في هذه الآية: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} .ونسأل الله تعالى أن يجمعنا على الحق وأن يستخدمنا لنصرة دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت