فهرس الكتاب
إن تعظيم واحترام أحكام الشريعة، هو الحد الأدنى لإيمان المؤمن وإسلام المسلم، لأنه لا إيمان ولا إسلام إلا بهذا الاحترام، ثم يأتي الامتثال والالتزام بحسب الوسع والطاقة على مستوى الأفراد والمجتمعات دون كذب على الله أو دجل على عباد الله، وعلى أساس ذلك الالتزام تقسم الطبقات في أعلى الدرجات أو سافل الدركات، وعلى قدر الأخذ أو الترك من هذه الشريعة في الدنيا، تكون مصائر العباد في الآخرة، لأنها الدين كله.
ولو تأملنا بعض مقالات الأولين في معنى الشريعة، لوجدنا أنها حقًا تسع الدين بتمامه والملة بأكملها .. فقوانين الشريعة وأحكامها، هي كل ما جاء في ملة الإسلام، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: " الشريعة هي الهدى "، وقال قتادة: " هي الأمر والنهي والحدود والفرائض "، وقال مقاتل: " هي البينة (المذكورة في سورة البينة) "، وقال ابن العربي: " الشريعة هي الطريقة من الدين وهي ملة الإسلام ". (انظر هذه الأقوال في تفسير القرطبي للآية 8 من سورة الجاثية) المسماة أيضًا بسورة الشريعة.
لذلك فإن ما نقصده من الدعوة إلى تطبيق الشريعة، هو أن تجد من يحييها ويحميها وينميها في حياة الأفراد والمجتمعات، بشكل شامل ومتوازن، ليس فيه تبعيض من يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أو تبديل من يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، أو تحريف من يقولون على الله ما لا يعلمون.
ليس المقصود إذن بالدعوة إلى تحكيم الشريعة وتطبيقها، ذلك المفهوم القاصر الذي يقصرها على تنفيذ بعض أحكام العقوبات الجنائية على بعض الفئات الاجتماعية، فهذه الأحكام وإن كانت داخلة ضمن الشريعة؛ إلا أنها جزء من منظومتها المتكاملة، الكفيلة برفع ظلم ونشر العدل، وتثبيت المساواة الواقعية وإقرار الحريات المسئولة، حيث لا يُقدم على الانحراف بعدها إلا منحرف، ولا يزيغ عنها إلا معوج يحتاج إلى تقويم.
إن الشريعة إيمان بالله .. يترجمه الإسلام إلى أمر الله .. الشريعة عدل .. الشريعة مساواة .. الشريعة طهر .. الشريعة عفاف .. الشريعة أمانة .. الشريعة اتحاد القوة، والشريعة اقتصاد الوفرة .. الشريعة سياسية مسؤلة وعدالة مكفولة، واحترام للجار وعدم الاعتداء على الغير، في الشريعة حرمة الدماء وحفظ الأعراض وكف الأذى والحفاظ على الأموال، والأوطان، والمصالح.
قد يقال إن كل ذلك يمكن أن ينال في ظل قوانين البشر .. نقول: قد يكون بعض ذلك، لكن لا على وجه الكمال والجمال والجلال المجموع في شريعة العلي المتعال ـ سبحانه وتعالى ـ التي وإن فُتحت بعض أبواب الدنيا مع غيرها، فإن سعادة الدنيا والآخرة لا تكون إلا بها، لأنها هي الديانة كلها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ، أَلَا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَوإن أطعتموهم أَضَلُّوكُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: «كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ» (1)
إن على كل مسلم ومسلمة أن يتأمل هذا الحديث العظيم الذي يعبر عن روح الإسلام الثورية، والذي يبين أن السلطة كثيرًا ما تكره شرع الله سبحانه، وكتاب الله سبحانه، واتباع دين الله سبحانه .. لماذا؟؛ لأن مصالح رجال السلطة ستصطدم وتتعارض مع دين الله ومع كتاب الله ومع أهل الحق، وليتهم يدعون أهل الحق في حالهم أو يفتحون لهم بابًا لإبداء الرأي وإنكار المنكر، ولكنهم يصارعون الناس ويشتدون بوطأتهم على أهل الحق، لأن هناك صراعًا بين منهجين (منهج دين الله سبحانه وتحت راية كتاب الله) و (منهج الشيطان وسلطان الباطل تحت رايات الجاهلية بأسمائها المختلفة قديمًا وحديثًا) ومادام هؤلاء الأمراء قد فارقوا الكتاب -القرءان- فإن طاعتهم ضلال، واتباع منهجهم طريق إلى جهنم (ووإن أطعتموهم أضلوكم) وفي المقابل فالتمسك بالحق مر (إن عصيتموهم قتلوكم) ومن هنا فإن المر يحتاج إلى طائفة فدائية تقدم التضحيات، ولا تحرف دين الإسلام إرضاءً لأهل السلطان وتحصيلًا لمنافع دنيوية ومناصب ورئاسات زائلة.
وهذه الطائفة هي المتشبهة بالصحابة رضوان الله عليهم أول من حملوا هذا الدين حتى سلموه إلينا ناصعًا عاليًا خفاقًا، وهم أهل الغربة .. (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء) و (هم الذين يصلحون عند فساد الناس) و (هم الذين يصلحون إذا فسد الناس) وهم المتمسكون بدينهم رغم كل المخالفين (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) وهم القابضون على الجمر (يأتي على الناس زمانٌ القابض فيه على الدين كالقابض على الجمر، للعاملين فيه أجر خمسين) لأنهم لا يجدون على الحق أعوانًا ولأن