فهرس الكتاب
والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم.
فمن كان عاجزًا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمة ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخير؛ لم يكلَّف ما يعجز عنه؛ فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر، كما ذكره الله تعالى. فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى، ولطلب ما عنده، مستعينًا بالله في ذلك؛ ثم الدنيا تخدم الدين ... ".
والواجب على الدعاة والمصلحين تطوير خطابهم ليناسب أفهام العامة، ومخاطبة الناس بما تبلغه عقولهم، ومعايشتهم في واقعهم، ودراسة واقعهم والبصيرة فيه، فإن ذلك من أهم الواجبات، وهو مقتضى منهج السلف حقًّا، لا أن نظل نعالج مشكلات القرن الثاني والثالث وما تلاه، ونردُّ على الأموات ومذاهبهم التي ماتت معهم، ونترك الحيات والعقارب المعاصرة، فلا نحن فهمنا مكرها، ولا أحسنّا التعامل معها، ولا اتقينا شرها، ولا تركنا مَن يحسن التصدي لها ليتصدى!
ولا بد من دراسة الخريطة السياسية ومعرفة حقائق التكتلات والأحزاب والجماعات والأفكار والعقائد والثقافات المحيطة بنا، ومدى قربها من الحق وبعدها عنه، ومدى عداوتها للتيار الإسلامي ونصرتها له، ومدى جدوى التعاون معها أو مع بعضها في القدر المشترك الذي يحقق بعض العدل، ويرفع كثيرًا من المظالم، وعلى أساس هذه البصيرة وهذا الوعي يكون التحرك.
لقد عرّف القرآنُ الكريم الجماعة المسلمة بأطياف المجتمع ونفسيات المخالفين وخصائصهم؛ ليكونوا على بصيرة من أمرهم، وأنصف أهل الكتاب فجعل منهم أمة مقتصدة، ومنهم الأمين في المعاملة ...
كما عرف أئمةُ الإسلام أحوالَ الناس وسبروا غورهم، ودرسوا الأنساب، وعاشروا القبائل، وداخلوا التكتلات، ووقفوا على نفسيات الناس، وعوائدهم وأحوالهم وأخلاقهم، حتى لقد أثنى عمرو بن العاص س على الروم - أهل أوروبا - مع بُعدهم عن الجزيرة العربية واختلافهم الكبير مع أهلها؛ بأن فيهم خصالًا أربع: (أنهم أحلم الناس عند فتنة، وأسرعه إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وأمنعهم من ظلم الملوك) .
وكيف يقابل المسلم عدوًّا لا يعرفه، وكيف ينكر أمرًا لم يحط به علمًا، وكيف يحذِّر مما لم يدرك حقيقته!
وإنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية.
إن الفصل الأول من الثورة قد انتهى، أعني: الهدم والتفكيك، وحصل فيه ما حصل من خذلان وإرجاف بعض المنتسبين إلى الدعوة والعلم، وبدأ الفصل الثاني وهو البناء؛ بما يتطلبه من إعداد برامج الإصلاح ومناهج التغيير، والنزول إلى واقع الناس ومعايشتهم قضاياهم، والسعي في حل مشكلاتهم، فهل سيستمر التخذيل والخذلان؟!
يعيب الشانئون للشريعة من الذين كرهوا ما أنزل الله، على الدعاة إلى تحكيمها وتطبيقها، أنهم لا يعرفون ما يريدون ولا يحددون ما يقصدون من دعوتهم إلى الالتزام بنظامها في النفس والناس، ولهؤلاء يقال: " إن الشريعة التي نريد: هي كمال الامتثال القلبي لكل ما شرعه الله لعباده في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في واقع الحياة والالتزام بذلك بالقول والعمل بقدر الوسع والاستطاعة على مستوى الفرد والجماعة ".
فكل الأحكام في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والنظام هي ما يسمى (شريعة) فهي الملة كلها، والدين بأصوله وفروعه، إنها كالماء الجاري بالحياة في شرائع الوديان، جريان الدم بالحياة في عروق الإنسان، لذلك كانت حياة الشريعة أن تكون هي شريعة الحياة، بحيث تنظم حياة الخلق، وفق ما يريد الخالق، فيقصدوا رضاه بالشرع، كما يقصد السالك مراده عن طريق سلوك الشارع، ويعرفوا مراد الله فيما يجب أن يعتقدوه، وما يتعين أن يتعبدوا الله به وفق ما يريد، لا ما وفق ما يريدون.